وعلى رزقك أفطرت ـ 6

القنوت روضة المحبين

إنّ للقنوت في اللغة عدّة معانٍ، منها ما جاء في لسان العرب: القنوت: الإمساك عن الكلام، وقيل الدّعاء في الصّلاة. والقنوت: الخشوع والإقرار بالعبوديّة، والقيام بالطاعة التي ليس معها معصية، وقيل: القيام، وقيل: إطالة القيام، ويرد بمعانٍ متعدّدة: كالطاعة، والخشوع، والصّلاة، والدّعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسّكوت.

والقنوت روضة العابدين، ولذة الخاشعين، يرجون به رحمة ربهم ورضاه، أولئك منزلتهم عند الله عالية، ومكانتهم لديه سامية، يقول الله عز وجل: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)، وبذلك ينخرط القانت في سلك المسبحين في ملكوت السماوات والأرض، ويتحقق له بذلك الأنس والراحة، يقول تعالى: (وله من في السموات والأرض كل له قانتون).

ويكون القنوت لله سبحانه حسا ومعنى، فأما القنوت الحسي فيكون بطاعة الله وطول القيام في الصلاة بخشوع، وأما القنوت المعني فيتحقق بالتوجه القلبي إليه عز وجل، والتضرع إليه بالدعاء والرجاء، قال تعالى: (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار).

وقد مدح الله تعالى سيدنا إبراهيم عليه السلام بقوله:(إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين)، وأمر سبحانه وتعالى مريم أم عيسى عليهما السلام بالقنوت له، فقال عز وجل: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين)، ووصفها وأثنى عليها بقوله:(وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)، وكان رسول الله (ﷺ) يطيل القيام بين يدي ربه، يناجيه ويدعوه، ويسأله سبحانه من فيض كرمه، وعظيم فضله، عملا بقوله تبارك اسمه: (وقوموا لله قانتين).

ولأهمية القنوت، فقد علمنا النبي (ﷺ) أن نكثر فيه من الدعاء لمظنة الإجابة فيه، فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله (ﷺ) كلمات أقولهن في قنوت الوتر:«اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت». وهو والله دعاء عظيم في معناه، جامع لخيري الدنيا والآخرة.

دعاء القنوت وحكمه:

هذا وقد اختلف الأئمة الفقهاء حول القنوت في صلاة الفجر:
ـ فذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله أن القنوت لا يُسن في صلاة الصبح أو غيرها من الصلوات، ويقتصر على الوتر فقط، وهو أمر ورد في الحديث الشريف عن الرّسول عليه السّلام: (أنَّ رسولَ اللَّهِ قنتَ شَهرًا يدعو على حيٍّ من أحياءِ العربِ ثمَّ ترَكَهُ)،[رواه النسائي] وحديث الرّسول عليه السّلام: (عن أبِي مالكٍ قال قلتُ لأبِي: يا أبَتِ إنَّك قد صَلَّيتَ خلْفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأبِي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ ها هُنا بالكُوفةِ، نَحْوًا من خَمْسِ سِنينَ، أكانُوا يَقْنُتُون؟ قال: أيْ بُنيَّ! مُحدثٌ).[رواه الترمذي]
ـ أمّا كل من الشافعي ومالك فذهبا إلى أنّ القنوت في صلاة الفجر سنة على اختلاف الأزمان، وذهب مالك والشافعي إلى أن القنوت في صلاة الصبح سنة في جميع الزمان، للحديث الشريف عن الرّسول عليه السّلام: (ما زال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقنُتُ في الفجرِ حتى فارَق الدُّنيا)،[رواه ابن الملقن] وسار الصحابة على هذا الأمر؛ فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقنت في صلاة الصبح بحضور الصحابة وغيرهم.

دعاء القنوت:
ـ عن الحسن بن علي بن أبي طالب (علَّمني جَدِّي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كلماتٍ أقولُهنَ في الوِترِ: اللَّهمَّ اهدني فيمن هديتَ، وعافني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارِك لي فيما أعطيتَ، وقِني شرَّ ما قضيتَ، إنَّكَ تقضي ولا يُقضى عليكَ، وإنَّهُ لا يذِلُّ من واليتَ، ولا يعِزُّ من عاديتَ، تبارَكتَ ربَّنا وتعاليتَ).[صحيح أبي داود]

ـ عن عبيد بن عمير (اللَّهُمَّ اغفِر لَنا وَلِلْمُؤمنينَ والمُؤْمِناتِ، والمسلِمينَ والمُسْلِماتِ، وألِّف بينَ قلوبِهِم وأصلِح ذاتَ بينِهِم، وانصُرهم علَى عدوِّكَ وعدوِّهم، اللَّهمَّ العَن كفَرةَ أَهْلِ الكِتابِ الَّذينَ يصدُّونَ عَن سبيلِكَ ويُكَذِّبونَ رُسُلَكَ، ويقاتِلونَ أولياءَكِ، اللَّهمَّ خالِف بينَ كلِمتِهِم، وزَلزِلْ أقدامَهُم، وأنزِلْ بِهِم بأسَكَ الذي لا تردُّهُ عنِ القومِ المُجرمينَ، بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللَّهمَّ إنَّا نَستعينُكَ ونَستغفِرُكَ، ونُثني علَيكَ ولا نَكْفرُكَ، ونَخلعُ ونَترُكُ من يفجُرُكَ، بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبدُ، ولَكَ نُصلِّي ونسجُدُ، ولَكَ نَسعَى ونَحفِدُ، ونخشَى عَذابَكَ الجِدَّ ونَرجو رحمتِكَ، إنَّ عذابَكَ بالكافِرينَ مُلحِقٌ).[رواه البيهقي]

إننا في هذا الشهرالمبارك أحوج ما نكون إلى الإكثارمن القنوت لله والدعاء والابتهال إلأى الله بأن يرفع ما بنا من تفرقة وهاون على الناس، وأن يوحد كلمة المسلمين وأن يهيء لهم من أمرهم رشدا.

فاللهم إنا نسألك من النعمة تمامها، ومن الرحمة شمولها، ومن العافية دوامها، ومن العيش أرغده، ومن العمر أسعده، ومن الإحسان أتمه، ومن الإنعام أعمه، ومن العمل أصلحه، ومن العلم أنفعه، ومن الرزق أوسعه.

مقالات ذات صله