مواهب المنان.. تراث تربوي مغربي متميز

يمثل الفكر التربوي ورسالته الحضارية واحدًا من التحديات الكبرى التي كانت ولا تزال تواجه العديد من البلدان، وفي مقدمتها البلدان العربية. فمصير مختلف المجتمعات والشعوب يتوقفان إلى حد كبير على مدى نجاعة منظوماتها التعليمية وفعالية استراتيجياتها التربوية في مجال إعداد الإنسان وتأهيله لمواكبة التطورات، لذا أصبح الاهتمام بقضايا الطفولة استثمارًا استراتيجيًّا للمستقبل، وبداية صحيحة لتقدم المجتمعات، فأضحت قضايا الطفولة في الصدارة، وأصبح الاهتمام بأوضاعه خيارًا استراتيجيًّا يؤثر مباشرة في الخطط والبرامج الاقتصادية والاجتماعية.

وعليه يمكنُ عد التراث التربوي شهادةً صادقة على العصر بشتى أوضاعه المجتمعية وأحواله الإنسانية.

مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان - مكتبة الإمام البيهقي

إن لكتاب مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان مكانةً علمية هامة، “كتراث علمي جليل، وإنتاج مغربي أصيل يكشف عن الاهتمام البالغ، والعناية الفائقة التي أولاها هذا السلطان (محمد بن عبد الله العلوي -ت1204هـ-1789م) لشؤون التعليم والنهوض بها”[1].

فهل اهتم المغاربة بالتأليف في قضايا الطفولة، أم غيب هذا الجانب ولم يحظ بالاهتمام؟ هذا ما سنحاول اكتشافه من خلال هذا المقال.


لم يقتصر الاهتمام بقضايا الطفولة تربيةً، وتعليمًا، وتهذيبًا… على العلماء[2] فقط، بل كان من الساسة والحكام من كان له الرعاية والاهتمام لذلك، وسأتوقف عند نموذج واحد وهو السلطان المولى محمد بن عبد الله وهو في الحقيقة يمثل نموذجًا من نماذج عناية الساسة بالطفولة المغربية. وقد اختط منهجا خاصا للدراسة والتعليم. فكان أول تنظيم رسمي للمعاهد والجامعات الإسلامية بالمغرب. وقد كان هذا السلطان محبا للعلماء وأهل الخير مقرِّبا لهم… كما كان يتحسر على ما فاته من قراءة العلم أيام الشباب، ويقول: “والله قد ضيعنا عمرنا في البطالة”… وذلك لما فاته من الاشتغال بفنون العلم في حال الصغر، واعتكف أولا على سرد كتب التاريخ، وأخبار الناس وأيام العرب إلى أن تملى من ذلك وبلغ الغاية القصوى”[3].

 

ومن كتب السلطان العلوي كتاب بعنوان: “مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان[4]، وهو كتاب صغير الحجم عظيم القيمة ضمنه آراءً حول التعليم ومناهجه ومواده. مقترحا برنامجَه الإصلاحي التربوي، والمسيرة التربوية التي حددها للسير عليها من قبل الهيئة التدريسية بالجامعات والمدارس العتيقة والمساجد[5].
الصورة هي للصفحة الأولى من المخطوطة الموجودة بالخزانة الحسنية تحت رقم:3747، وهي تقع في ثلاثة وأربعين ورقة من الحجم الصغير.

وقد تحدث السلطان العلوي عن أسباب تأليف هذا الكتاب بقوله: “حملني ذلك -لما انطوى عليه الفؤاد من حب النصح للمسلمين- أن أجمع لهم مسائل مهمات عن علم أمور الدين، قريبة المقاصد، شهيرة الموارد، مقتصرًا فيه على الضروري ليسهل حفظه على الصبيان. وهي نافعة لمن اقتصر عليها في دينه من الشيوخ والكهول والشبان… وسميته (مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان)”[6].

ويحتوي الكتاب على مقدمة فيما يجب على الصبيان تعلمه من التوحيد وأحكام الطهارة، الصلاة وشروطها، وتتوفر على باب حول الزكاة والصيام والحج، وعلى خاتمة في التصوف[7]..

ومن عجيب سيرته: أنه كان رحمه الله تعالى يرى اشتغال طلبة العلم بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره، وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييعًا للأعمار في غير طائل، وكان ينهى عن ذلك ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما، ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل. وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما حتى وضع في ذلك كتابا[8] يحوي مسانيد الأئمة الأربعة، وهو كتاب نفيس في مجلد ضخم وعنوانه: “الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية[9].

وجدير بالذكر أن الناصري جنح إلى رأي السلطان العلوي، فوجه مجموعة من الانتقادات لأساليب ومناهج التعليم المتبعة في عصره. ولم يكتف بذلك فقط وإنما بسط آراءه في الأسباب والعلل التي كانت السبب في جمود تلك الأساليب، وتحجر عقول أولئك في مقدمة مهمة توج بها كتابه المعنون: “الفلك المشحون بنفائس تبصرة ابن فرحون“.

وقد أشار إلى مجموعة من العوامل التي كانت سببا في جمود أساليب التعليم المفضية إلى التخلف الفكري، وذكر منها جملة من بينها:
*– عدم منهجية التلقين، المبنية على البحث والاجتهاد والاستنباط والتحصيل.

*– الاعتناء بالمختصرات واتخاذها عمدة وسندًا في التدريس والإعراض عن الأمهات التي هي أصل العلوم وعمدتها.

*– سلوك سبيل الاختصار والحرص عليه في صناعة التأليف، وعدم مزج الفروع بأصولها وموازنتها ببعضها…[10].

ولا بد من الإشارة، في هذا الصدد، أن للسلطان العلوي مجموعة من المؤلفات، أذكر منها على سبيل المثال:

*– الفتوحات الصغرى أو الفتوحات الإلهية فيما اجتمع من الأحاديث النبوية الشافية للقلوب الصدية. والكتاب خاص بالعبادات وما في حكمها.

*– الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من أربعة منافذ، ويتناول موضوع العبادات والمعاملات.

*– بغية الطلاب المعينة قارئها على عبادة العزيز الوهاب، وهو كتاب خاص بمبادئ الدراسة والتعليم وشرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني وفقه العبادات.

*– ترويح القلوب وهو ديوان شعري…[11].

وفي الختام:

لقد كانت للمسلمين عناية كبيرة بالجانب التربوي والتعليمي للطفل، حتى كانوا سباقين بآرائهم التربوية في هذا المجال، ولم يكن أثر المغاربة في هذا باهتا. فقد أولوه العناية المتميزة التي شملت الجانب الروحي والعقلي والجسمي… حتى إن بعض المؤلفات ضمت بشكل جلي وواضح أفكارًا وآراء مسايرة للنظريات التربوية الحديثة.

 

ــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــ
[1]  – محمد بن عبد الله العلوي، مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان، قابله وصححه على النسخة الأصلية أحمد العلوي عبد الولي، ط: 1996- 1417. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية… المقدمة بقلم عبد الكبير العلوي المدغري – ص: 4 بتصرف.
[2]  – أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي (ت 238هـ-858م)، أبو محمد بن سحنون (ت256هـ – 870 م) ألف كتاب: “آداب المعلمين.
– أبو الحسن بن محمد بن خلف القابسي (ت403هـ- 1012م)  في الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين.
– أبو جعفر أحمد بن إبراهيم الجزار القيرواني (369هـ- 980م) في كتاب:”سياسة الصبيان وتدبيرهم“.-أبوالفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي (ت 544 هـ- 1149م) في كتاب:”الإعلام بحدود قواعد الإسلام”…. وغيرهم. 
[3]  – أحمد بن خالد الناصري السلاوي، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق وتعليق أحمد الناصري- منشورات وزراة الثقافة والاتصال-المغرب- سنة 2001 ج: 7، ص: 89.
[4]  – محمد بن عبد الله العلوي، مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان… م س.
[5]  – المرجع نفسه، ص:13.
[6]  – نفسه، ص:28، بتصرف.
[7]  – نفسه، ص:115 – 116.
[8]  – الناصري، كتاب الاستقصا… م س، ج:7- ص:90.
[9]  – المرجع نفسه، ص: 90 – الهامش رقم: (33).
[10]  – نفسه، ص: 90 – الهامش رقم: (32).
[11]  – محمد بن عبد الله العلوي، مواهب المنان…م س، ص: 20، 19، 18. بتصرف.