محاضرة علمية: دور القيم الإسلامية في تخليق الحياة العامة – منتدى القيم 7

في إطار أنشطتهما الثقافية والعلمية المشتركة نظم كل من المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة ومؤسسة البشير للتعليم للعتيق بشراكة مع مؤسسة نور للبحوث والدراسات العلمية منتدى القيم السابع، وذلك يوم 30 دجنبر 2017 بقاعة المحاضرات الكبرى لمؤسسة البشير.

وقد اشتمل المنتدى على ندوة علمية شارك فيها مجموعة من المتخصصين والباحثين، كما كان للجمهور في الفترة المسائية على موعد مع محاضرة علمية قدمها الاستاذ الدكتور سمير بودينار في موضوع:

القيم ودورها في تخليق الحياة العامة

ملخص المحاضرة:

انطلقت المحاضرة من سؤال مركزي هو: ما المقصود بتخليق الحياة العامة؟ واستعراض نماذج واقعية في قصتين تبينان المدى الأقصى الذي يمكن أن تبلغه تمثلات مفهوم الحياة العامة في قيم الانسان، وبالتالي في سلوكه تجاه غيره، سواء في الاتجاه الإيجابي أو السلبي.

ثم تناول المحاضر جملة من الأخلاق السلبية الشائعة في مجتمعنا من قبيل العنف المدرسي، واللفظي الشائع في الشارع، واللامبالاة تجاه الآخر وعدم احترام حقه في الدور أو الطريق. والتعاون في العمل وغيرها، كل ذلك في ضوء قيمة العدل التي تنطلق في القرآن الكريم من العدل في القول “وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى” (الآية)، مرورا بالعدل في الحكم على الناس مع كل شكل من أشكال التعامل معهم ” ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى “(الآية)، قبل بلوغ مرتبة العدل في الحكم بين الناس “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”(الآية) الذي تتجلى فيه قيمة العدل في الحياة العامة.

من هذا المنطلق بين المحاضر أن مظاهر التقصير في أداء خدمة من الخدمات العامة، هي تعبير عن ضعف في تمثل الفرد لقيمة من القيم التي لا قد يدرك أهميتها وأبعادها الأخلاقية والوظيفية في المجتمع إلا إذا عانى ات الحيف أو الضرر من غيابها في نفسه أو مصالحه الخاصة، ولهذا السبب يذهب بعض الفلاسفة إلى أنك لكي تحكم على صواب فعل أو خطئه فينبغي تصور شيوعه في الناس (أي باستخدام منهج التعميم).

ثم تناول المحاضر ما سماه أزمة القيم في مستويات ثلاث:

أولها المستوى الفردي حيث تتجلى الأنانية الفردية والطغيان المرضي للمصلحة الخاصة في أدق تفاصيل الحياة.
وثانيها المستوى النظامي أو النسقي: المتعلق بعدم القدرة على انتظام السلوك في مجال مشترك ومحدود (احترام الدور، نظافة الملكيات المشتركة، عنف الملاعب…).
وثالثها المستوى العام أو الجماعي، من خلال الإشارة إلى جملة الدراسات والتقارير الخاصة بالتربية على القيم، الصادرة عن المجلس الأعلى للتعليم وحديثها عن سلوكات خطرة داخل المدرسة، التي يفترض فيها التربية على القيم، الدينية منها والمواطنية، والمدنية (قيم السلوك المدني)، فضلا عن اعتبارها نموذجا مصغرا للمجتمع.

وبين المحاضر أن هذا الوضع يجد تفسيره في العلوم الاجتماعية من خلال ترابط القيم في مستوياتها الثلاث: السلوكية المرتبطة بالفرد، والنظامية الخاصة بالنسق أو الحقل والاجتماعية العامة للمجتمع. وأنها جميعا معنية بأزمة السلوك المدني، أي القدرة على العيش معا في مجال مشترك، وهو ما نسميه (الحياة العامة). وأن هذه الأزمة تؤشر إلى مدى أمان حياتنا الاجتماعية: أي كيف نعيش معا في مجالنا العام بسلام، ومن أي مصدر نستمد هذا النموذج للعيش المشترك؟

ثم انتقل المحاضر للحديث عن مقتضى تخليق الحياة العامة، وأجمله في التعامل مع القيم باعتبارها باعثا على الخلق ومعاييرا للسلوك الفردي والجماعي، ومن ثم معالجتها في جميع المستويات المشار إليها، بدءا من الانسان الفرد، الذي جعله الإسلام محط المسؤولية والقدوة. وجعل مثلها الأعلى على خلق عظيم. وأن كثيرا من المسلمين اليوم لا ينتبهون إلا أي أن مصدر قوة النموذج المعرفي والاجتماعي للإسلام هي قيمه الجوهرية لا مظاهره الشكلية، ولذلك اعتبر القرآن أن أمة المسلمين هي مناط الشهادة على الناس أجمعين بوصفها نموذجا معياريا(وسط).

أما عن موضوع الحياة العامة، فقد بين المحاضر أن تخليقها وفق التعريفات السائدة اليوم، التي تركز على العمل للقضاء على الرشوة وترسيخ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، هو تعريف لا يستوعب معنى تخليق الحياة العامة بأبعاده القيمة الكبرى التي تطرحها الرؤية القرآنية. الشاملة في هذا المقام.

ثم فصل في أسباب الحاجة إلى تخليق الحياة في أي جماعة إنسانية، ودليل ذلك في بعض الدراسات المعاصرة التي تؤكد أن عودة الدين في المجتمع المعاصر وخاصة في مستوى هويته، هو عودة للبحث عن ذلك التخليق، مستشهدا بكتاب ” قوة الدين في مجال العام” الذي ألفه أربعة من كبار الفلاسفة المعاصرين ” في هذا الباب.

وبعد ذلك، تطرق إلى دور القيم الإسلامية في تخليق الحياة العامة، بمستوياتها الثلاث:

– القيم الغائية (قيم غايات) تحدد الوجهة، وهي التوحيد، والتزكية، والاستخلاف والعمران…
– قيم السعي (أو قيم الحركة) التي تنظم العلاقات بين أفراد الجماعات، كالعدالة والحرمة والكرامة…
– القيم الموجهة: الضابطة لسلوك الأفراد تجاه بعضهم البعض، كالأخوة وكف الأذى ومحبة الصالح العام…

مبينا أن إشكالية القيم في المجال العام من خلال التجربة الغربية الحديثة، كمن في حصر القيم الغائية في المجال الخاص، واكتفاء المجال العام بالقيم الإجرائية (العقل الأداتي) أما في النموذج الإسلامي فتم تأسيس مفهوم الأمة (صناعة الحياة العامة) على الممارسة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم في سيرته، باعتبارها ترجمة واقعية للوحي. وما رسخته من قيم ذات دلالة خاصة كالحرية والتراحم والعدل والمدنية (العمران). التي تنطلق جميعا من الالتزام الفردي لتخليق الحياة العامة.

  

مقالات ذات صله