كيف نحقق التقوى .. المجال والمرتكزات: 1

كيف نتقي الله ؟؟
عبد الفتاح الفريسي

اختلفت تعبيرات علماء التربية والسلوك في الإسلام في التقوى مع أنهم يجمعون أنها تدور حول مفهوم واحد، وهو أن يأخذ العبد وقايته من سخط الله عز وجل، وذلك بامتثال المأمور واجتناب المحظور، ومعنى ذلك أن المتقي لا يتحقق بهذا الوصف حتى يعمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا، طمعا في وعده وخوفا من وعيده، على نور الله .

وتطلق التقوى في القرآن على ثلاثة معان:
الأول: الخشية والهيبة قال تعالى : (وإياي فاتقون) البقرة:41
الثاني: الطاعة والعبادة: ومنه قوله تعالى : (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته) آل عمران:102
الثالث: تنزيه القلب عن الذنوب والمعاصي.

شرف التقوى وأهميتها:
ما دعا القرآن إلى التقوى وحث عليها إلا بسبب ما لها من أهمية ونفع، وما فيها من الشرف للعبد في الدنيا والآخرة، والدليل على ذلك:
1- أنها وصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال الله: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) النساء: 131
2- أنها وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأمته، وقد وردت في الحاديث الكثيرة
3- التقوى وصية جميع الرسل لأممهم.
4-التقوى أجمل لباس يتزين به العبد، قال تعالى: (يـبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباسَ التقوى، ذلك خير) الأعراف:26
5-التقوى أفضل زاد يتزود به العبد إلأى المعاد، يقول تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) البقرة:197
6- المتقون هم أولياء الله على الحقيقة، ولا حقيقة لكمال العبودية الحق إلا بالتقوى قال تعالى: (إن أولياؤه إلا المتقون) الانفال: 34

كيف نتقي الله ؟
وهذا سؤال لا يطرحه على نفسه إلا أولوا الحلم والعلم، لأن العامة بعترفون بشرف التقوى وعلو شأن أهله، ولكنهم يجهلون الطريق إليها؛ ويعوزهم معرفة السبيل إلى نيل جواهرها.
وللجواب على هذا السؤال نستأذنكم في أن نطرحه على الإمام العلم أبي حامد الغزالي ليجيبنا قائلا: (من أراد أن يتقي الله فليراع الأعضاء الخمسة فإنهن الأصول، وهي العين والأذن واللسان والقلب والبطن، فيحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضررا في أمر الدين من معصية وحرام وفضول وإسراف من حلال، وإذا حصل صيانة هذه الأعضاء فمرجو أن يكف سائر أركانه، ويكون قد قام بالتقوى الجامعة بجميع بدنه لله تعالى) (منهاج العابدين: 67).
غير أن المتأمل في هذا الكلام يجده يحيلنا على أصول الصيانة التي لها أسباب تقيدها وشروط تعين عليها، والتي يمكن أن نلخصها في ما يلي:
1- محبة الله تعالى فانها اذا خالطت القلب أبعدته عن كل مرغوب سوى الله.
2- مراقبة الله التي تورث الحياء والخشية منه تعالى.
3- العلم بحقيقة المعاصي وعواقبها الوخيمة.
4- العلم بأصول رياضة النفس وكيفية مغالبة الهوى.
5- العلم بحيل الشيطان ومكايده، والحذر من وسوسته ومصايده.
السبب الأول من أسباب التقوى:

وأما عن السبب الأول من هذه الأسباب المعينة على صيانة الأعضاء الخمسة، وهو محبة الله تعالى ، وهي طريق قوي لحفظ الإنسان وتقوية إيمانه، اذا خالطت القلب أبعدته عن كل مرغوب، وإذا خلا القلب منها خلا من كل خير، فالمحب يسرّ بخدمة محبوبه وطاعته، ولا تطالفه نفسه على معصيته، قال أحد الصالحين: (إني لا أحسن أن أعصي الله)، ونصحت سيدة صالحة أبناءها قائلة: (تعوّدوا حبَّ الله وطاعتّه، فإن المتقين ألفت جوارحهم الطاعة فاستوحشت من غيرها).
المحبة هي طريق النجاح، وهي حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، تنادي بالمساء والصباح، حي على الصلاح، حيّ على الفلاح، يقول ابن القيم رحمه الله: (المحبة شجرة في القلب، عروقها الذل للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وورقها الحياء منه، وثمرتها طاعته، ومادتها التي تسقيها ذكره، فمتى خلا الحب عن شيء من ذلك كان ناقصا) (روضة المحبين: 904).
والمحبة قسمان:
أولاهما: محبة لازمة عامة، توجب محبة ما فرض الله وبغض ما نهى عنه، ومحبة لرسوله صلى الله عليه وسلم اتباعا لسنته واقتداء بهديه، وهذا القدر لا تقوم المحبة إلا به، ومن أخل به فقد نقض إيمانه من أساسه
ثانيهما: محبة سابقة عالية، تتعدى الفرائض والواجبات إلى النوافل والمندوبات،وتستعلي عن المحرمات وحذا المكروهات، ويتحقق أهلها بأرفع أوصاف الاتباع والرضا، والصبر على تقلبات القضا.
ولا تحقق هذه المحبة إلا بأمور معينة عليها جالبة لها، وعلى رأسها:
1. قراءة القرآن بخشوع ووعي وتدبر
2. المحافظة على النوافل بعد الفرايض
3. الذكر مع التفكر في نعم الله ومطالعة آلائه.
4. إيثار محابّه تعالى على محبوبات النفس
5. مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب إشاراتهم وعباراتهم.

 

مقالات ذات صله