كلمة مدير مؤسسة دار القرآن في حفل افتتاح الأسبوع الثقافــــي الثالـــث

abdelfatah_elforaysiتحت الرعاية السيد عامل صاحب الجلالة على عمالة الصخيرات تمارة، تم يوم الجمعة 17/04/ 2009 عصرا افتتاح الأسبوع الثقافي الثالث الذي تنظمه مؤسسة دار القرآن الحاج البشير بتعاون مع المجلس العلمي المحلي والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية تحت شعار : “رسالة القرآن الكريم.. بناء الإنسان وإنشاء العمران”، وبعد أن قام السيد العامل بجولة فيمرافق المؤسسة وتتبع الشروح التي قدمت له تعريفا بالمؤسسة وأهدافها ونشاطها، انتقل الضيوف إلى رحاب مسجد الحاج البشير، حيث أدوا صلاة العصر، ثم افتتح الحفل بالقرآن الكريم، بعده قدم السيد مدير المؤسسة الدكتور عبد الفتاح الفريسي كلمة هذا نصها:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد عامل صاحب الجلالة على عمالة الصخيرت تمارة

السيد رئيس المجلس العلمي المحلي.

السيد الكاتب العام لعمالة الضخيرات تمارة.

السيد رئيس المجلس الإقليمي.

السيد رئيس المجلس البلدي.

السادة المنتخبون، السادة العلماء،السادة الضيوف،

أيها الحضور الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

يسعدني في البداية أن أرحب بكم باسم مؤسسة دار القرآن الحاج البشير وأن أعرب لكم عن بالغ التأثر والشكر وعظيم التقدير على تلبية دعوتنا للحضور في افتتاح أشغال الأسبوع الثقافي الثالث الذي ننظمه بإشراف عمالة الصخيرات تمارة وبتعاون مع المجلس العلمي المحلي والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية بمدينة تمارة تحت شعار” رسالة القرآن الكريم،، بناء الإنسان وإنشاء العمران “.

أيها الحضور الكريم  حينما أراد الله تعالى أن يسبغ نعمته الربانية على خلقه أرسل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم برسالة خالدة، تشتمل على كل ما تحتاج إليه البشرية لتنظيم حياتها، وحل مشاكلها، كما تشتمل على كل ما تتشوف إليه النفس البشرية من حقائق غيبية ترتبط مصالح الناس بمعرفتها واعتقادها والإيمان بها.لأجل ذلك كان القرآن الكريم منبع الخير كله ومطلع الهداية التي أشرق نورها على سائر الكائنات فبدد الظلمات وأزاح الضلالات فكانت كل ذرة في هذا الكون مغمورة برحمته، مباركة بنفحته.

ولقد وصف الرسول الصادق المصدوق القرآن الكريم وصفا دقيقا جامعا لكل صفاته ومزاياه، فقال:” ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قيل يا رسول الله، وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه..” الحديث.

هذا ولقد لقي القرآن الكريم في نفوس المسلمين على مر الدهور والعصور عناية عظمى لم ينلها كتاب غيره، واستشعروا أهمية الأمانة الملقاة على عاتقهم نحة كتاب الله فحفظوا أسانيده وضبطوا رسمه ورووه عن النبي صلى الله عليه وسلم حرفا حرفا وكلمة كلمة وآية آية، وتحقق بذلك خبر الله ووعده )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحـفظون(.إننا إذا تصفحنا تاريخ أسلافنا المغاربة الذين تلقوا القرآن غضا طريا قديما وحديثا شعوبا وملوكا، ألفيناهم قد حققوا أمانيهم وآمالهم بالقرآن الكريم، قد أشربوا حبه، وجرت محبته ورسالته في أرواحهم مجرى الدم في العروق،فبنو المعاهد الدينية والمدارس القرآنية وشيدوا الأوقاف وتـنافسوا في تشجيه حملته وأكرموا أهل ذكره، وشاع في الآفاق المثل القائل:)  أنزل القرآن بمكة وحفظ بالمغرب(.

لقد كانت الكلمة القرآنية بالنسبة لأهل المغرب ركيزة جهادهم ومنهل أدبهم ومصدر عطائهم الثقافي والحضاري من خلالها بنوا أمتهم، وحددوا معالم عقيدتهم وعبادتهم ورسموا خطوط أخلاقهم وتصوراتهم عن الحياة والكون والإنسان، ومن الكلمة القرآنية كذلك تشكلت ثقافتهم، وفنونهم وذوقهم العام. لقد شكلت رسالة القرآن الكريم ومنهجه في الماضي والحاضر قوة الدولة المغربية الدافعة، حيث أحدثت مؤسساته ومدارسه العتيقة في سيدي الزوين بمراكش ودار زهيرو بطنجة، وغيرها من مدارس العلم والقرآن في مختلف ربوع بلادنا الحبيبة ، أحدثت تحولات عجيبة، وتغييرا نورانيا غريبا في أمر مُلْكِ المغاربة وملكوتهم، وصنعت لهم تاريخهم وأقامت جغرافيتهم؛ فكان هذا المغرب الموحد، وهذا الشعب المؤمن، وكان هذا الرصيد الحضاري العظيم، الموغل في الوجدان الإنساني.

أيها السادة والسيدات .. إننا نعتقد أن أحد أسباب أزمتنا اليوم ليست وليدة غياب رسالة ومنهج، وإنما هي أزمة فهم الرسالة وكيفية التعامل مع المنهج .. أزمة تنزيل معاني الرسالة القرآنية على الواقع ، وتقويمِه بها ..

نعم،، إن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها، هي أزمة تعامل مع قيم القرآن الكريم ورسالته، وتحويلها إلى برامج عملية، وصيغ تنموية.. أو بكلمة أخرى : أزمة تعامل مع معرفة الوحي بشكل عام ، واستيعاب المنهج القرآني في البناء والتنمية.أيها السادة والسيدات،، إننا نسعى بهذا النشاط العلمي والثقافي مع شركائنا في وزارة الأوقاف والمجلس العلمي إلى وصل الحاضر بالماضي واستشراف المستقبل على أسس القرآن الثابتة وخطواته الراسخة، مساهمة من مؤسستنا في تحقيق الوعي الديني والرشاد الفكري والمساهمة في فك أغلال التبعية والاستيلاب الثقافي والذوبان في الآخر، كما يهدف إلى المساهمة في ترشيد الحركة القرآنية في بلادنا وعمل دور القرآن حتى تكون الصحوة الدينية التي تعيشها بلادنا والحمد لله صحوة حقيقية مبنية على أسس متينة يشترك فيها الفكر والذكر، العلم والعمل ونستأنف دورنا الحضاري وتنميتنا البشرية ودورنا في البناء والعطاء من خلال وسيلة طالما غفل عنها الكثيرون من الناس ألا وهي ربط الخلق بالخالق عبر رسالة القرآن قول الله المعجز إلى القلوب الحائرة في ظلمات الحياة ودروبها.

إننا نعتقد أن مشروع التنمية البشرية الذي تراهن عليه بلادنا ويتولى أمره أمير المؤمنين الملك محمد السادس  نصره الله لجدير بأن يجعل من رسالة القرآن الكريم ومساهمتها في بناء الإنسان وإنشاء العمران مرتكزا ينطلق منه،  ومجالا زاخرا ينتعش فيه، كما نعتقد أن ثمة ضرورات ومؤشرات عديدة، تدفعنا إلى الاعتقاد أن طبيعة الأوضاع والظروف الحساسة  وطبيعة التحديات والمشاكل التي تواجهنا اليوم  تلزمنا بمبادرات حقيقية ومكاشفة قوية للذات تستهدف تفعيل دور القرآن في أمر النماء الحسي والمعنوي مع الانفتاح على المتغيرات العصرية، واحترامُ المكاسب الإنسانية والحضارية.

إن الحاجة ماسة اليوم إلى مبادرات دينية حقيقية تدعم مؤسسات دور القرآن الكريم وتساهم في ترشيدها، وتعمل على إشراكها في مشاريع التنمية المستدامة والأوراش الوطنية الكبرى من أجل إشاعة ثقافة الاعتدال ومنهج العمل والفكر الوسطي بعيدا عن الغلو أو التنطع، ونحن نعتقد أن المؤسسات القرآنية تمتلك القدرة الفعلية للمساهمة بجدارة في توجيه الرأي العام باتجاه هذه القضايا والمتطلبات، التي تضبط نزعات التطرف والتوتر، وتدعو إلى مبادئ التعاون والتفتح.وفي هذا السياق ننوه بما يقوم به العلماء في بلادنا العلماء في بلادنا من جهود ملموسة ومحاولات حثيثة لتطوير الذات والخطاب تحت رعاية أمير المؤمنين وبتأطير من وزارة الأوقاف  والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء.

حضرات السادة:إنه لمن المؤسف حقا أن يقرن اسم التشدد بالإسلام والمسلمين، وإنه لمن العجب العجاب أن يربط بعض الأقلام هنا وهناك بين دور القرآن ومؤسساته وبين التشدد والتعصب،وفي ذلك من الخطإ والجهل والتجني على الحقيقة ومن التسرع في إصدار الأحكام قبل القيام بالتبين والتحري. إن دور القرآن في بلادنا كانت دائما وعلى مدى التاريخ موطنا لجمع الكلمة ولم الشمل، ومدارس لنشر قيم الوطنية وثقافة التنمية والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة بالتي هي أحسن، ولا عبرة ببعض المتطفلين على شأن المدارس القرآنية  الذين جعلوا بعض المؤسسات القرآنية مطية لتمرير خطاباتهم المتشددة ونشر أفكارهم المقيتة، ونعتقد أنه حان الأوان للعمل والتعاون لتفكيك وفضح خطابهم وأفكارهم بصياغة خطاب ديني ناضج ومتوازن، لأن الفكرة لا تقهر إلا بالفكرة، والرأي لا يغلب إلا بالرأي.أيها الحضور،،

إن بلادنا ستبقى بحول الله دوما محضن الإيمان والإسلام، لأنها اختارت منذ أزيد من أربعة عشر قرنا الإسلام وشريعته السمحة، وبايعت ملوكها على ذلك، واتفقت كلمتها في الفقه على مذهب الإمام مالك بنِ أنس إمامِ مدينةِ النبي صلى الله عليه وسلم وفقيهِها،وقراءة أبي رؤيم نافع، قارئ المدينة ومقرئها،وعقيدة أهل السنة والجماعة، ومسلك الإمام الجنيد الزاهد، إن بلادا اشتهر أهلها بحفظ كتاب الله والمسابقة في إتقان حروفه ورسمه، وتجويد حروفه وضبطها، وتنافس أهلها في تشييد المساجد ومعاهد القرآن الكريم وبناء مؤسساته،  إن بلادنا تعتز بأن يلقب ملوكُها بلقب أميرِ المؤمنين وحامي الملة والدين لجديرة بكل حفظ رباني ولطف إلاهي ينفي عنها تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، ويجنبها مسالك الزلل وطرق الغي.

ولا بد من التذكير في هذا المقام أن الصحوة الدينية التي تعاظم والحمد لله شأنها وذاع صيتها أحوج ما تكون إلى الفقه المطلوب اليوم : كيف تشكل رسالة القرآن الكريم أو المنهج القرآني  قيماً وبرامج ، فكراً وفعلاً مرجعية ، وأساسا لبناء الفكر والمجتمع؟ وكيف يمكن أن يتحقق التنزيل والإفادة، من الرسالة القرآنية ؟ هذه هي القضية المطلوبة بشدة، الغائبة غياباً مذهلاً.

أيها السادة والسيدات،، من الشكر الواجب أن أسجل في نهاية هذه الكلمة شكرنا لله تعالى الذي هيأ الأسباب ورفع الموانع، ثم الشكر موصول لكل من ساهم وسيساهم في هذا اللقاء العلمي ، وأخص بالذكر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعمالة الصخيرات تمارة، والمجلس العلمي المحلي للصخيرات تمارة،، والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية، والسلطات المحلية والإقليمية.

ونلتمس في ختام هذه الكلمة من السيد عامل صاحب الجلالة على عمالة الصخيرات تمارة أن ينوب عن مؤسسة دار القرآن الحاج البشير، مؤسسيها وإدارتها وأطرها وعلمائها وطلبتها، في إبلاغ السدة العالية بالله ولاءها التام ومحبتها الخالصة وتعلقها الدائم، ودعاءها لجلالته بالنصر والتمكين، والسداد والتوفيق المبين، وأن يحفظه في ولي عهده ووارث سره صاحبِ السمو مولاي الحسن، ويقر عينه بأخيه صاحبِ السمو مولاي رشيد.وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.