التفسير وحاجة العصر

كان علماؤنا المحررون كثيرا ما يقولون إن قول قول المفسر ليس حجة في ذاته، وإنما الحجة في نص الوحي، والتفسير محاولة لمساءلة النص، والاجتهاد في الوصول إلى بعض معالمه ومعانيه، وكيف يستطيع النسبي أن يصل إلى كنه المطلق، بل كيف يمكن للمحدود في كل أبعاده، أن يحيط بكلام الأول والآخر والظاهر والباطن.

إننا نؤمن أن كتب التفسير التي ألفت إنما هي تعبير عن فكر اجتهاد فكري إنساني لمساءلة نص القرآن الكريم في سياق معين، وبأسلوب معين، ولذلك تعددت التفاسير بتعدد الأنماط التفكيرية والأدوات المستعملة في فك شفرات النص ومفاربة معانيها، والواجب اليوم أن ننظر إلى ما ألف السابقون من تفاسير من خلال هذا المنظور، دون تقديس ولا تبخيس، يقول أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: 1371هـ) في مقدمة تفسيره المسمى «تفسير المراغي»:
«فإنا لنشاهد في عصرنا الحاضر ميل الناس إلى التزيد في الثقافة الدينية، ولا سيما تفسير الكتاب الكريم والسنة النبوية، وكثيرا ما سئلت أىّ التفاسير أسهل منالا، وأجدى فائدة للقارئ في الزمن القليل؟ فكنت أقف واجما حائرا لا أجد جوابا عن سؤال السائل، علما مني بأن كتب التفسير على ما فيها من فوائد جمة، وأسرار دينية عظيمة وإيضاح لمغازى الكتاب الكريم، قد حشيت بالكثير من مصطلحات الفنون: من بلاغة ونحو وصرف وفقه وأصول وتوحيد إلى نحو أولئك مما كان عقبة كأداء أمام قارئيها، إلى ما فيها من أقاصيص مجانفه، لوجه الصواب متنكّبة عن حظيرة العقل ووجوه المعارف التي يصح تصديقها، إلى تفسير للقضايا العلمية التي أشار إليها القرآن العزيز بحسب ما أيده العلم فى تلك العصور، وقد أثبت العلم فى هذا العصر وأيد الدليل والبرهان أنه لا ينبغى التعويل على مثل ما كان معروفا حينئذ، إلى أن هذه المؤلفات وضعت – فى عصور قد خلت- بأساليب تناسب أهلها، وكان مؤلفوها يتباهون بإيجازها ويرون ذلك مفخرة لهم، ولكن الزمان وهو الحوّل القلّب غيّر آراء الناس في الموسوعات العلمية، فرأوا أن الكتاب الذي لا يناجيك معناه لدى قراءة لفظه، أولى لك ألا تضيع وقتك في قراءته وكدّ الفكر فى الوصول إلى المعمّى من معناه.

ومن ثم نهج الناس فى التأليف منهج السهولة والسلاسة مع تحقيق المسائل العلمية حتى تعتز بمظاهرة الدليل والبرهان لها، ونفى الزائف الذي لا يقوم على ساقين، أو يستند إلى عضوين، من تجربة واختبار، وحجة وبرهان».

مقالات ذات صله