الوفاء بين الزوجين

إن الزواج ميثاق عظيم، أعلى الله شأنه بقوله سبحانه : ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا). أي إن عقد الزواج عهد متين، ورباط وثيق، يزداد قوة بدوام العشرة التي تسودها المودة والرحمة، قال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). أي ألفة ومحبة واطمئنانا، وإن العلاقة الزوجية فيها كثير من القيم النبيلة، والمعاني الجميلة التي تتربى عليها الأجيال، وتتخذها منهج حياة، ففي بيت النبي صلى الله عليه وسلم  قصة عظيمة في الوفاء بين الزوجين، قدمتها السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تربت في كنف بيت يسوده الوفاء والمودة والرحمة، وقد تعلمت الوفاء من أمها السيدة خديجة رضي الله عنها التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس».

وقد تقدم لخطبة زينب ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وكان ذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنها صلى الله عليه وسلم في شأن زواجها، فوافقت رضي الله عنها.

وفي ليلة عرسها أهدتها أمها السيدة خديجة رضي الله عنهما قلادة عزيزة عليها؛ إكراما لها، وإدخالا للسرور على قلبها، فلما انتقلت زينب رضي الله عنها إلى بيت زوجها، قدمت دروسا في الوفاء وحسن العشرة، في علاقتها مع زوجها أبي العاص، وكانت قد أسلمت قبله، فلما كان يوم بدر تركها في مكة وخرج مع قومه، فوقع في الأسر؛ واحتاج إلى المال في فدائه، فأسرعت رضي الله عنها بجمع أموالها بما فيها القلادة العزيزة على قلبها، التي أهدتها إليها أمها ليلة عرسها، وأرسلت بذلك كله لتفتدي زوجها، وتفك أسره، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة السيدة خديجة رضي الله عنها عرفها، ورق لها رقة شديدة، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم:« إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها». فقالوا: نعم. وأطلقوا سراح  أبي العاص، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عليه عهدا أن يخلي سبيل زينب؛ لتهاجر إلى أبيها صلى الله عليه وسلم فوفى أبو العاص بوعده، وفارق زوجته مع شدة حبه لها، وساعدها على إتمام هجرتها، ووصولها بسلام إلى أبيها صلى الله عليه وسلم. لكن زوجها أبا العاص بقي على دين قومه، وكان من تجار قريش وأمنائهم، فخرج في تجارة إلى الشام بأموال قريش التي استولت عليها مما تركه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة، وتمكن الصحابة رضي الله عنهم من أسر القافلة لاسترداد أموالهم، ولم يقع أبو العاص في الأسر، بل تمكن من الوصول إلى السيدة زينب رضي الله عنها في المدينة المنورة، فاستجار بها وطلب الحماية منها، فأعلنت رضي الله عنها: أني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم جوارها وحمايتها له، وبعث إلى الذين أصابوا ماله، فردوه كله، فرجع أبو العاص إلى مكة، فأدى الأموال والأمانات إلى أصحابها، ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي شيء؟ قالوا: لا. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عند محمد صلى الله عليه وسلم إلا خوف أن تظنوا أني أردت أكل أموالكم. ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فرد النبي صلى الله عليه وسلم إليه زينب وعادت الحياة الزوجية إلى استقرارها بعد فرقة استمرت ست سنين.

إن في هذه القصة تعزيزا لقيمة الوفاء بين الزوجين، فالأسرة مدرسة، يتعلم فيها الأجيال القيم والمبادئ، وقد تعلمت السيدة زينب من أمها كيف تسعى في إسعاد زوجها، وتؤازره في تحمل مسؤوليات الحياة، وقدمت أنموذجا رائعا في الوفاء، فقد ساندت زوجها أبا العاص بكل ما تملك من أموال، وبذلت الغالي والنفيس لإنقاذه من محنته، وكانت صبورة ووفية في الحفاظ على أسرتها وزوجها، وقد كان أبو العاص محبا صادقا، ووفيا مخلصا لزوجته، وهكذا تكون العلاقة بين الزوجين يسعى كل منهما لاستقرار أسرته، في حياة تسودها المحبة والوفاء، والحرص على إسعاد البنات والأبناء.

وفي قصة السيدة زينب وزوجها أبي العاص رضي الله عنهما درس في التسامح، والتعامل الراقي بين المسلم وغيره، فقد أكرم النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنته أبا العاص، ولم يكن مسلما حينها، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم:« إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم».

وأحسنت إليه زوجته وسائر الصحابة رضي الله عنهم فلم يمسه أحد منهم بشيء يكرهه. وكان أبو العاص وفيا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين أعاد إليه ابنته معززة مكرمة، فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مصاهرته إياه، وقال : « حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي».

مقالات ذات صله