في رحاب آية الكرسي

إن الله تعالى أمر بتلاوة كتابه الكريم، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : (ورتل القرآن ترتيلا). وقال صلى الله عليه وسلم :«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». ومن قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ومن السور التي حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على تلاوتها سورة البقرة، فقال صلى الله عليه وسلم:« اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». والبطلة هم السحرة.

 وعندما يقرأ المسلم سورة البقرة ويتدبر آياتها العظيمة، ومعانيها الجليلة؛ تستوقفه أعظم آية في كتاب الله، وهي آية الكرسي؛ فحين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب رضي الله عنه:« يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟». قال: الله ورسوله أعلم. قال:« يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال:( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال: فضرب في صدري، وقال:« والله ليهنك العلم أبا المنذر». أي هنيئا لك العلم.

فلماذا كانت آية الكرسي أعظم آية؟ لأنها دلت على أعظم المعاني وأجلها، وضمت بعضا من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فبدأت الآية الكريمة باسم (الله) وهو الاسم الذي تسكن إليه النفوس، وتطمئن بذكره القلوب ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب). من لجأ إلى الله آواه، ومن استغاث به نجاه، ومن سأله أعطاه ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه). سبحانه ( هو الحي القيوم ) والدعاء باسم الله الحي القيوم أقرب للاستجابة، فقد دعا رجل ربه عز وجل فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أتدرون بما دعا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال صلى الله عليه وسلم :«والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى».

ومعنى القيوم هو الذي يدبر أمور خلقه، ويرزقهم ويعافيهم، فبيده حياتهم ومماتهم ومعاشهم وميعادهم، يسيرهم في البر والبحر ، فهو سبحانه (قائم على كل نفس بما كسبت).

( لا تأخذه سنة ولا نوم) أي: إن الله جل جلاله منزه عن النعاس والنوم، فإن النوم غلبة على العقل والإحساس، والله سبحانه قيوم لا ينام، ولا يشبه الأنام (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام ولكنه يخفض القسط ويرفعه – أي: ميزان أعمال العباد- يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». سبحانه ما أعظم شأنه، وما أوسع ملكه ( له ما في السموات وما في الأرض) كل له قانتون خاضعون، إليه محتاجون، مفتقرون ( إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا).

(من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) فلا يملك أحد الشفاعة عند الله إلا بإذنه سبحانه، ونبينا صلى الله عليه وسلم ممن أذن الله تعالى لهم بالشفاعة، :« فإذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض… فأستأذن على ربي، فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي».

ومن المعاني العظيمة في آية الكرسي قوله تعالى:( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) فهو سبحانه المحيط علما بكل ما كان، وما هو كائن، لا يخفى عليه شيء. ولا يغيب عنه شيء (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور). (ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). وهو الرقيب على كل شيء ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين). فهنيئا لمن راقب ربه في قوله وفعله، وأخلص لله تعالى عمله.

(ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) أي: لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا بإذنه. ومع عظمة ملكه سبحانه ، وسعة كرسيه وسلطانه، فإنه يحفظ السموات والأرض وما فيهما (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه). ( ولا يئوده حفظهما) أي: لا يثقله حفظ السموات والأرض، وما فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه. فسبحان الله، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه. فاللهم اجعلنا لكتابك من التالين المتدبرين يا رب العالمين، ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

إن أهم ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وتلاوة آية الكرسي وتدبر معانيها، فإن ذلك يورث القلب خشية، ويملؤه إيمانا ويقينا، وقد وردت الأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على قراءتها في ثمان أوقات في اليوم الواحد، فمن داوم على تلاوتها عقب الصلوات الخمس كان من أهل الجنان والرضوان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت». وجعل الله تعالى هذه الآية الكريمة شفاء كافيا، وحصنا حصينا، وحرزا من الشياطين، لمن قرأها حين يصبح وحين يمسي، وإذا أوى إلى فراشه فقرأ آية الكرسي فلن يزال معه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. فما أجمل أن نعلمها الأبناء ونحثهم على تلاوتها، فإنها تعزز في قلوبهم مراقبة الله عز وجل ( الذي يعلم السر في السموات والأرض). فيرضون ربهم، ويتقنون عملهم، ويحسنون في حياتهم، وتكون آية الكرسي سببا في حفظ البيت وأهله، فيعيشون حياة مستقرة مطمئنة بعيدة عن نزغات الشياطين.

فهل نحافظ على قراءة آية الكرسي في الصباح والمساء وعقب الصلوات، وهل نعلمها أولادنا ونحثهم على المداومة عليها؟

 

مقالات ذات صله