توقير كبار السن

إن من قدر الله عز وجل أن جعل الإنسان يمر بمراحل مختلفة من الضعف والقوة، حيث يولد ضعيفا، ثم يصير شابا فتيا، ثم رجلا قويا، ثم يعود إلى الضعف بتقدم عمره، وكبر سنه، ووهن بدنه، قال تعالى:( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) سورة الروم:54

فمن تقدم به العمر فقد أكرمه الله سبحانه بكبر سنه، وجعله من خير الناس، فقد سئل رسول الله، أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم :« من طال عمره، وحسن عمله»، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله تعالى. فإن لشيبته فضلا كبيرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما من مسلم يشيب شيبة فى الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة»، وفي رواية:« إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة».

وقد أمرنا ديننا أن نعامل المسنين بالتوقير والرحمة لكبر سنهم، وهذا من إجلال الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :« ليس منا من لم يوقر كبيرنا».

إن إكرام كبار السن والعناية بخدمتهم، والقيام على راحتهم، ومتابعة صحتهم من الأمور التي حثنا ديننا عليها، فقد ورد: أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم قاموا بخدمة كبار السن، ونزل أحد العلماء قرية، ووجد فيها نساء تقدم بهن العمر، وليس لهن خادم يخدمهن، ولا أحد يقوم على رعايتهن، فدفع مالا وأتى لكل واحدة منهن بخادم.

ومن التوقير لكبير السن أن يبادره بالسلام من هو أصغر منه سنا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم :« يسلم الصغير على الكبير». ويحسن استقباله إذا حضر، ويصدره في المجلس إذا دخل، وينصت إلى حديثه إذا تكلم، فحين أقبل ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أصغرهم أن يبدأ بالكلام؛ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :« كبر كبر». يريد أن يبدأ كبير السن بالحديث.

وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه سؤالا ليختبرهم فقال:« إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم». قال ابن عمر رضي الله عنهما: فأردت أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم فسكت.

وقال سمرة بن جندب رضي الله عنه: لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن مني. يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فمن حق المسن علينا أن نتحدث إليه، ونؤنسه بالحوار ونلاطفه، ونناديه بأحب الأسماء إليه، ولا نتقدم عليه بالقول أو الفعل.

ومن صور توقير كبير السن وحفظ كرامته أن يبقى في بيته معززا مكرما إذا كانت له حاجة عند أحد؛ ويأتي إليه من هو أصغر منه سنا ليقضيها له، حتى لا يتكلف المسن عناء الذهاب إليه، فقد جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بوالده أبي قحافة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، فقال له صلى الله عليه وسلم :« لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه».

فمن حق كبير السن رجلا كان أو امرأة عندما تكون له حاجة لدى الدوائر والمؤسسات؛ أن يفسح له من هو أصغر سنا، فيؤثره بمقعده أو دوره، ويترك له المجال في صعود المصاعد، أو المرور في الطرقات، فمن فعل ذلك فليستبشر بأجر عظيم، وثواب كريم.

ومراعاة لكبير السن قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف في الصلاة؛ فقال صلى الله عليه وسلم :« إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير».

وسار علماء المسلمين على هذا النهج القويم من توقير المسنين واحترامهم؛ فلا نجد كتابا في الحديث أو الوعظ إلا وفيه باب أو أكثر عن توقير الكبير، ووضعوا مبادئ للتعامل مع كبار السن والمشي معهم، فيقول أحد العلماء: من مشى مع إنسان فإن كان أكبر منه وأعلم؛ مشى عن يمينه، يقيمه مقام الإمام في الصلاة… وإذا كانوا جماعة مشوا خلف كبير السن.

إن حسن العناية وجميل الرعاية للمسنين عمل نبيل، وخلق أصيل، فالماضي الذي نعتز به، والحاضر الذي ننعم به هم من صناعه ورواده، فعلينا أن نحسن إليهم كما أحسنوا إلينا: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) فقد قضوا حياتهم في رحلة كفاح وعمل لكي ينعم الأبناء بالراحة والخير، فحقهم علينا عظيم، أوصى به القرآن الكريم، ونبه عليه خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم فما أجمل أن نجلس إلى المسن ونسأله عن حاله وذكرياته، ونستفيد من خبراته، ونصغي إلى كلماته، ونرفع معنوياته بحسن الاستقبال، وحفاوة اللقاء، وإظهار البشر بقدومه، ونملأ فراغه بما ينفعه في دنياه وآخرته، ونعلم الصغار آداب التعامل مع المسنين، فلا تزال هذه الآداب والعادات والتقاليد الأصيلة تتوارث جيلا بعد جيل، وبهذا نقضي شيئا من حق كبار السن، وتتواصل الأجيال، وتنتقل الخبرات من الأجداد إلى الآباء والأحفاد، ويتلاحم جميع أفراد المجتمع.

مقالات ذات صله