تاريخ التشريع – السنة الثالثة

مادة تاريخ التشريع:

التشريع الإسلامي هو مجموعة الأحكام الشريعة والفقهية في الدين الإسلامي، والتي تهدف إلى بيان رأي الإسلام في كافة الأمور في الحياة، عن طريق توضيح الأحكام الدينيّة المتعلّقة بها، مثل: الأحكام الخاصة بالميراث، أو الزكاة، ويُعرّف أيضاً بأنه: القواعد والحدود التي يطبقها ويضعها الدين الإسلامي، ويجب على كل مسلم التقيد، والالتزام بها، وعدم تجاوزها، دون وجود عذر شرعي يسمح بذلك.

مصادر التشريع الإسلامي: اعتمد التشريع الإسلامي على المصادر التالية:

  1. القرآن الكريم هو المرجع الأول لأحكام التشريع الإسلامي، فعند البحث عن رأي الإسلام في شيء معين، يجب الرجوع في البداية إلى القرآن الكريم، فهو المرجع الأساسي لأحكام وقواعد وحدود الدين الإسلامي، واحتوت آيات القرآن الكريم على إجابات عديدة حول العديد من المسائل الفقهيّة، مثل: الأحكام المتعلّقة في الطلاق، والتي تم تفصيلها تفصيلاً واضحاً، ومبيناً للمسائل الخاصة بها.
  2. السُنة النبوية الشريفة هي المرجع الثاني لأحكام التشريع الإسلامي، بعد القرآن الكريم، والسُنة النبوية الشريفة: هي كل ما وردَ عن الرسول – صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير يساهم في بيان وتوضيح أحكام وقواعد مسألة فقهية في الإسلام، فمثلاً: تحدث القرآن الكريم في أكثر من آية عن الصلاة، ولكنه لم يبين كيفيّة أدائها، وجاءت السُنة النبوية الشريفة، لتوضح طريقة الصلاة الصحيحة.
  3. الإجماع هو المرجع الثالث لأحكام التشريع الإسلامي، وهو ما اتفقَ عليه علماء، وفقهاء الإسلام، من أحكامٍ شرعيةٍ، ويصير من الواجب تطبيقها من قبل المسلمين، ويتم الاعتماد على الإجماع عند عدم ورود أي حُكم شرعي حول المسألة الفقهية، في القرآن الكريم أو السُنة النبوية الشريفة، ويُعدّ رأي علماء المسلمين حقاً، كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه أبو بصرة الغفاري -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (سألتُ الله عز وجل أن لا يَجمَعَ أُمَتي على ضلالةٍ فأعطانيها)، (مسند الإمام أحمد).
  4. القياس هو المرجع الرابع لأحكام التشريع الإسلامي، وهو ربط مسألة فقهيّة لا يوجد فيها أي حُكم شرعي، مع مسألة فقهية أخرى، لتشابه السبب (العلة) بينهما، ويتم الرجوع إليه في حال عدم ورود أي حُكم شرعي في القرآن الكريم، أو السُنة النبوية الشريفة، أو الإجماع، ومن الأمثلة على القياس: تحريم شرب الخمر في القرآن الكريم، والسبب (العلة) لأنّه شرابٌ مسكرٌ، أي يؤدي إلى ذهاب العقل، وعند وجود شراب آخر يؤدي إلى السُكر، يكون الحُكم الشرعي فيه، هو التحريم أيضاً.

مراحل تاريخ التشريع الإسلامي: للتشريع الإسلامي مجموعة من المراحل التاريخيّة، تجسّد قصة التشريع الإسلامي، ويمكن اختزالها في ستة أدوار:
1) التشريع في حياة الرسول (صلّى الله عليه و سلم) : و فيه كان التشريع مبنيا على ما يتنزل به القرآن الكريم من الأحكام، وكذا ما بينّته السنة النبوية و فصّلت فيه. و عليهما مدار الفقه الإسلامي، وإليهما يرجع الفقهاء.

2) التشريع في عهد الصحابة (من 11 إلى 40 هـ) : في هذا الدور تم جمع القرآن الكريم في مصحف جامع خلافا لما تعامل به كبار الصحابة مع الأحاديث النبوية. بل ”كانوا يشيرون بتقليل الرواية خشية أن ينتشر الكذب و الخطأ على الرسول (ص)”. و الإجتهاد في هذا الدور كان معتبرا سواءٌ أكان أخذا و استنباطا من ظواهر النصوص أو من معقولها. غير أنه كان “مقصورا على فتاوي يُفتيها من سُئل في حادثة، و لم يكونوا يتوسعون في تقرير المسائل و الإجابة عنها بل يكرهون ذلك و لا يبدون رأيا في شيئ حتى يحدث. و إذا حدث اجتهدوا في استنباط حكمه.” و مصادر أحكامهم في ذلك العصر أربعة : الكتاب ”وهو العمدة” و السنة و القياس أو الٍرأي ”و هو فرعهما” و الرابع الإجماع ”و لا بد أن يكونوا في إجماعهم مستندين إلى نص من كتاب أو سنة أو قياس.” و الإختلاف كان مشروعا منذ هذا العصر إذ اختلفت فتاوي الفقهاء لاختلافهم في فهم القرآن، أو فهم سنةٍ أو العمل بها، أو في تقدير المصلحة ”اختلاف الرأي”.
”و قد بينا أن الخلاف لم يكن في هذا العصر بالشيء الكثير، لأن أقضيتهم كانت بقدر ما ينزل من الحوادث، ولم تدون الأقضية في عصرهم، فقد انتهى ذلك الدور و الفقه هو نصوص القرآن الكريم و السنة الطاهرة المتّبعة و ما ارتضاه كبار الصحابة مما رواه لهم غيرهم من الصحابة أو ما سمعوه، و قليل من الفتاوى صادرة عن آرائهم بعد الإجتهاد و البحث.”

3) التشريع في عهد صغار الصحابة و من تلقى منهم من التابعين (41 هـ إلى أوائل القرن الثاني للهجرة): تميز هذا العصر بـ : تفرق كلمة المسلمين سياسيا – تفرق علماء المسلمين في الأمصار – شيوع رواية الحديث – ظهور الكذب في الحديث.
و في هذا الدور تنبه بعض العلماء إلى الخطر الذي يحدق بالسنة النبوية إن لم يتم حفظها و تدوينها كما فعل سلفهم بالقرآن الكريم فانتدب بعضهُم غيرَه أو نفسَه لكتابة ما تيسر منها. و امتاز منهم ابن شهاب الزهري الذي أوعز إليه الخليفة عمر بن عبد العزيز بذلك. و فيه بدأ النزاع بين الرأي و الحديث و ظهور أنصار لكل منهما ”إلا أنه لم تكن هناك قواعد معلومة واضحة للمجتهدين لأن الفقه في ذلك الوقت لم يأخذ الدرجة اللائقة به من التدوين و الترتيب”. “و لم يكن يكن عُرف بين الناس الإنتسابُ إلى فقيه معين يُعمل بما ذهب إليه من رواية أو رأي و إنما كان هؤلاء المفتون بالأمصار المختلفة معروفين بالفقه و رواية الحديث، فكان المستفتي يذهب إلى من شاء منهم فيسأله عما نزل به فيفتيه، و ربما ذهب مرة أخرى إلى مفتي آخر ..”. و بظهور الفرق السياسية و العقدية (الخوارج-الشيعة-الجمهور) تعصب كل إلى حزبه و تلقى علمه من رجاله مما سيخلق الإنقسام في الدور القادم بين المذاهب الفقهية السنة و المذاهب الفقهية الشيعية.

4)- التشريع في عهد تدوين الفقه والسنة النبوية (من أول القرن2 هـ إلى منتصف القرن4هـ) وهي مرحلة تميزت بظهور كبار الأئمة الذين اعترف لهم الجمهور بالزعامة ، كما تميزت باتساع الحضارة و نشاط الحركة العلمية بالأمصار الإسلامية و ازدياد حفاظ القرآن و العناية بأدائه (القراءات السبع) و تدوين السنة النبوية و تصنيفها و استقلال الحديث علما قائما بذاته. كما عرف نزاعا في مادة الفقه (النزاع في السنة أصلا في التشريع – النزاع في القياس و الرأي و الإستحسان – النزاع في الإجماع – النزاع في أكبر مسألة يدور عليها التكليف) و كانت هذه المنازاعات سببا لاشتغال العلماء بوضع ما سموه “أصول الفقه” و هي القواعد التي يلزم كل مجتهد أن يتبعها في استنباطه. و به ظهرت الإصطلاحات الفقهية المحدثة. و في هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء الذين اعترف الجمهور لهم بالزعامة (الأئمة : أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد) و يخوض صاحب الكتاب في صفحات طوال في ترجمة هؤلاء الأجلة و بيان أصول مذاهبهم و بعض ثمرات اجتهاداتهم و كيفية انتشار مذهبهم بفضل جهوده تلاميذهم. ثم يلفت النظر إلى بعض المذاهب البائدة التي لم يكتب لها البقاء. ”كان الفقه قبل هذا الدور على درجة كبيرة من البساطة لأنه كان قاصرا على إبداء الحكم فيما يقع من النوازل و لم يكونوا يتوسعون فيبدون حكما في مسألة يتصورونها. أما في هذا الدور فقد توسع الفقهاء في وضع المسائل و استنباط أحكامها .. خصوصا الأحناف الذين اعتمدوا كثيرا على قوة التخيل فأدى ذلك بهم إلى أن أخرجوا للناس ألوفا من المسائل ..” كما شهد هذا الدور تدوين الكتب في الأحكام الفقهية (كالمدونة مثلا التي بلغت مسائلها 26000 مسألة على مذهب الإمام مالك).

5)- و هو دور القيام على المذاهب و تأييدها و شيوع المناظرة و الجدل (من أوائل القرن 4 هـ إلى سقوط الدولة العباسية) : في هذا الدور انقطعت الروابط السياسية بين الأقاليم الإسلامية فأدّت في الأخير إلى سقوط الخلافة العباسية على يد المغول، “أما الحالة العلمية فإنها لم تتبع في التدهور تلك الحال السياسية بل استمرت على نموها فقد نبغ في هذا العصر كثير من كبار العلماء و أساطين المفكرين ..”، ”إلا أنه يجب الإعتراف بأن روح الإستقلال في التشريع ضعفت تبعا لضعف الإستقلال السياسي ..”، وبذلك كانت روح التقليد هي السائدة في هذا العصر (أي تلقي الأحكام من إمام معين و اعتبار أقواله كأنها من الشارع نصوصٌ يلزم المقلد اتباعها) كما عرف هذا الدور ذيوعا كبيرا للمناظرات و الجدل بين الفقهاء (خصوصا بين الأحناف و الشافعية) الأمر الذي أجّج التعصبات المذهبية خلافا لما ساد عليه الدور السابق من تأصل التسامح بين كبار المجتهدين.

6)- من سقوط بغداد على يد هولاكو إلى الوقت الحالي، وتتميز هذه المرحلة بأن التشريع الإسلامي يعتمد فيها على رأي، واجتهاد علماء، وفقهاء الدين الإسلامي، عبر التقليد المحض : ”إذا اتسع مجال القول في الدور الأول حيث يوحي الله شرائعه على قلب رسول الله (ص) و هو يبلغ ما أنزل الله و يبينه للناس و في الدورين الثاني و الثالث حيث يبين الصحابة و التابعون طرق الإستنباط من كتاب الله و سنة رسوله و الرأي الصحيح. و في الدور الرابع حيث يقوم كبار الأئمة و نوابغ الفقهاء فيجنون تلك الثمرة و يدونون أحكام الشريعة مفصلة. و في الدور الخامس حيث كان الترتيب و التهذيب و الإختصار و الترجيح فماذا يقول القائل في هذا الدور الأخير و لا شيء له من الإمتياز؟ .. ” وأعظم ما يميز هذا الدور تمكن روح التقليد المحض من نفوس العلماء فلك يُر منهم من سمت نفسه إلى رتبة الإجتهاد إلا القليل منهم و ذلك في النصف الأول من هذا الدور، و ذلك راجع لانقطاع الصلة بين علماء الأمصار الإسلامية و انقطاع الصلة بيننا و بين كتب الأئمة.