التفسير – السنة الأولى

تتلخص أهم أهداف تدريس مادة التفسير في أن يتمكن الطلبة من تفهم ما جاء في القرآن الكريم من معان ومرام وأهداف، وفق خطة علمية تربط بين اقامة المعاني القرآنية واستبصار المعاني، ولذلك اعتمدت الأكاديمية على أن يتدبر الطلبة مع معلميهم في هذه المادة خلال السنة الأولى الأحزاب الثلاثة الأولى من سورة البقرة.

المرجع المعتمد:

  1. تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء ابن كثير.
  2. تفسير صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني.

 

سورة الفاتحة:

سورة الفاتحة: مكية وآياتها سبع آيات باتفاق

بين يدى السورة الكريمة : هذه السورة الكريمة مكية ، وآياتها سبع بالإجماع، وتسمى ” الفاتحة ” لافتتاح الكتاب العزيز بها، حيث إنها أول القرآن فى (الترتيب) لا فى (النزول)، وهى – على قصرها ووجازتها – قد حوت معانى القرآن العظيم ، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهى تتناول أصول الدين وفروعه ، تتناول العقيدة ، والعباد ، والتشريع ، والاعتقاد باليوم الآخر ، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة ، والاستعانة والدعاء، والتوجه إليه جل وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق ، والصراط المستقيم ، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الأخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة، ولهذا تسمى “أم الكتاب” لأنها جمعت مقاصده الأساسية.

فضلها :
أ – روى الإمام أحمد فى المسند أن ” أبي بن كعب ” قرأن على النبى (ص) أم القرآن فقال رسول الله (ص) : ” والذى نفسى بيده ما أنزل فى التوراة ، ولا فى الإنجيل ، ولا فى الزبور ، ولا فى الفرقان مثلها ، هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته ” فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى فى سورة الحجر : [ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ] .
ب- وفى صحيح البخارى أن النبى (ص) قال لأبى سعيد بن المعلى : ” لأعلمنك سورة هى أعظم السور فى القرآن : الحمد لله رب العالمين ، هى السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذى أوتيته ” .

التسمية: تسمى ” الفاتحة ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني ، والشافية ، والوافية ، والكافية ، والأساس ، والحمد ” وقد عددها العلامة القرطبي وذكر أن لهذه السورة الكريمة اثنى عشر اسماً.

اللغة : [ الحمد ] الثناء بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل ، مقروناً بالمحبة ، وهو نقيض الذم وأعم من الشكر ، لأن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف الحمد
[ الله ] اسم علم للذات المقدسة لا يشاركه فيه غيره ، قال القرطبي : هذا الاسم [ الله ] أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها ، وهو اسم للموجود الحق ، الجامع لصفات الإلهية ، المنعوت بنعوت الربوبية ، المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه [ رب ] الرب : مشتق من التربية وهى إصلاح شؤون الغير ورعاية أمره ، قال الهروي : ” يقال لمن قام بإصلاح شئ وإتمامه : ” قد ربه ، ومنه الربانيون لقيامهم بالكتب ” (تفسير القرطبى 1/133) والرب يطلق على عدة معان وهى ” المالك ، والمصلح ، والمعبود ، والسيد المطاع ” [ العالمين ] العالم : اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط ، وهو يشمل : الإنس والجن واللائكة والشياطين كذا قال الفراء ، وهو مشتق من العلامة لأن ” العالم ” علامة على وجود الخالق جل وعلا [ الرحمن الرحيم ] صفتان مشتقتان من الرحمة ، وقد روعى في كل من [ الرحمن ] و [ الرحيم ] معنى لم يراع فى الآخر ، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة لأن ” فعلان ” صيغة مبالغة فى كثرة الشيء وعظمته ، ولا يلزم منه الدام كغضبان وسكران ، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة ” فعيل ” تستعمل فى الصفات الدائمة ، ككريم وظريف فكأنه قيل : العظيم الرحمة ، الدائم الإحسان. قال الخطابي : الرحمن ذو الرحمة الشاملة التى وسعت الخلق فى أرزاقهم ومصالحهم ، وعمت المؤمن والكافر ، والرحيم خاص بالمؤمن كما قال تعالى :
[ وكان بالمؤمنين رحيما ] ، [ الدين ] الجزاء ومنه الحديث ” كما تدين تدان ” أى كما تفعل تجزى [ نعبد ] قال الزمخشري : العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ولذلك لم تستعمل إلا فى الخضوع لله تعالى ، لأنه مولي أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى الخضوع [ الصراط ] الطريق وأصله بالسين من الاستراط بمعنى الابتلاع ، كأن الطريق يبتلع السالك ، قال الشاعر :
شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط
[ المستقيم ] الذي لا عوج فيه ولا انحراف ” آمين ” أى استجب دعاءنا ، وهي ليست من القرآن الكريم إجماعاً ، ولهذا لم تكتب فيه ، وإنما هى من تعليم رسول الله وهديه.

التفسير :

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شئ ، مستعيناً به جل وعلا فى جميع أموري ، طالباً منه وحده العون ، فإن الرب المعبود ، ذو الفضل والجود ، واسع الرحمة كثير التفضل والإحسان ، الذى وسعت رحمته كل شئ ، وعم فضله جميع الأنام، [ الحمد لله رب العالمين ] علمنا البارى جل وعلا كيف ينبغى أن نحمده تعالى ونقدسه ، ونثني عليه بما هو أهله ، أي قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمد لله ، اشكروني على إحساني وجميلي إليكم ، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد ، المتفرد بالخلق والإيجاد ، رب الإنس والجن والملائكة ، ورب السموات والأرضين ، فالثناء والشكر لله رب العالمين ، دون ما يعبد من دونه، [ الرحمن الرحيم ] أي الذي وسعت رحمته كل شئ وعم فضله جميع الأنام ، بما أنعم على عباده من الخلق ، والرزق ، والهداية إلى سعادة الدارين ، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإحسان [ ملك يوم الدين ] أي هو سبحانه الملك والمالك للجزاء والحساب ، المتصرف فى يوم الدين تصرف المالك في ملكه، [ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ] ، [ إياك نعبد وإياك نستعين ] أي نخصك يا ألله بالعبادة ، ونخصك بطلب الإعانة ، فلا نعبد أحدا سواك ، لك وحدك ربنا نذل ونخضع ، ونستكين ونخشع ، وإياك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك ، فإنك المستحق لكل إجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحد سواك، [ إهدنا الصراط المستقيم ] أي دلنا وأرشدنا يا رب إلى طريقك الحق ، ودينك المستقيم وثبتنا على الإسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك ، وأرسلت به خاتم المرسلين ، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين، [ صراط الذين أنعمت عليهم ] أي طريق من تفضلت عليهم بالجود والإنعام ، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا، [ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ] أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم السالكين غير المنهج القويم ، من اليهود المغضوب عليهم ، أو النصارى الضالين ، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية ، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية. اللهم آمين.

الفوائد :
الأولى: افتتح الله بـ [ بسم الله الرحمن الرحيم ] سورة الفاتحة وكل سورة من سور القرآن – ما عدا سورة التوبة – ليرشد المسلمين إلى أن يبدأوا أعمالهم وأقوالهم باسم الله الرحمن الرحيم ، التماساً لمعونته وتوفيقه، ومخالفة للوثنيين الذين يبدأون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو طواغيتهم فيقولون : باسم اللات ، أو باسم العزى ، أو باسم الشعب ، أو باسم هبل، قال الطبرى : ” إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه ، أدب نبيه محمداً (ص) بتعليمه ذكر أسمائه الحسنى ، أمام جميع أفعاله ، وجعل ذلك لجميع خلقه سنة يستنون بها ، وسبيلاً يتبعونه عليها ، فقول القائل : بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح تالياً سورة ، ينبئ عن أن مراده : أقرأ بسم الله ، وكذلك سائر الأفعال ” .

الثانية: الفرق بين [ الله ] و[ الإله ] أن الأول اسم علم للذات المقدسة ذات البارى جل وعلا ، ومعناه المعبود بحق ، والثاني معناه المعبود بحق أو باطل ، فهو اسم يطلق على الله تعالى وعلى غيره ، بخلاف ” الله ” فإنه المعبود بحق.

الثالثة: وردت الصبغة بلفظ الجمع ” نعبد ونستعين ” ولم يقل ” إياك أعبد وإياك أستعين ” بصيغة المفرد ، وذلك للاعتراف بقصور العبد عن الوقوف فى باب ملك الملوك ، فكأنه يقول : أنا يا رب العبد الحقيق الذليل ، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف فى مناجاتك بمفردي ، بل أنضم إلى سلك المؤمنين الموحدين ، فتقبل دعائى فى زمرتهم ، فنحن يا رب جميعا نعبدك ونستعين بك.

الرابعة: نسب النعمة إلى الله عز وجل [ أنعمت عليهم ] ولم ينسب إليهم الإضلال والغضب ، فلم يقل : غضبت عليهم أو الذين أضللتهم ، وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى ، فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدباً، وإن كان منه تقديراً ، كما ورد فى الدعاء المأثور ” الخير كله بيديك ” والشر لا ينسب إليك ” .

 

 

.

الثمن 1 من الحزب 1: 

قال الله تعالى : [ ألم – ذلك الكتاب لا ريب فيه.. إلى .. وما كانوا مهتدين ] . من آية (1) إلى نهاية آية (16).

سورة البقرة: جميعها مدنية بلا خلاف ، وهى من أوائل ما نزل ، وآياتها مائتان وثمانون وسبع آيات .

بين يدي سورة البقرة: 

– سورة البقرة أطول سور القرآن على الإطلاق ، وهي من السور المدنية التي تعني بجانب التشريع ، شأنها كشأن سائر السور المدنية ، التى تعالج النظم والقوانين التشريعية ، التى يحتاج إليها المسلمون فى حياتهم الاجتماعية.
– اشتملت هذه السورة الكريمة على معظم الأحكام التشريعية : فى العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق ، وفى أمور الزواج ، والطلاق ، والعدة ، وغيرها من الأحكام الشرعية.
– وقد تناولت الآيات فى البدء الحديث عن (صفات المؤمنين) ، و(الكافرين) ، و(المنافقين) ، فوضحت حقيقة الإيمان ، وحقيقة الكفر والنفاق ، للمقارنة بين أهل السعادة وأهل الشقاء.
– ثم تحدثت عن بدء الخليقة فذكرت قصة أبي البشر ” آدم ” عليه السلام ، وما جرى عند خلقه وتكوينه ، من الأحداث والمفاجآت العجيبة ، التى تدل على تكريم الله جل وعلا للنوع البشري.
– ثم تناولت السورة الحديث بالإسهاب عن أهل الكتاب ، وبوجه خاص بني إسرائيل ” اليهود ” لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين فى المدينة المنورة ، فنبهت المؤمنين إلى خبثهم ومكرهم ، وما تنطوي عليه نفوسهم الشريرة من اللؤم ، والغدر ، والخيانة ، ونقض العهود والمواثيق ، إلى غير ما هنالك من القبائح والجرائم التى ارتكبها هؤلاء المفسدون ، مما يوضح عظيم خطرهم ، وكبير ضررهم على البشرية ، وقد تناول الحديث عنهم ما يزيد على نصف السورة الكريمة ، بدءاً من قوله تعالى : [ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ] إلى قوله تعالى : [ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ] .
– أما بقية السورة الكريمة فقد تناولت جانب التشريع ، لأن المسلمين كانوا فى بداية تكوين (الدولة الإسلامية) وهم فى أمس الحاجة إلى المنهاج الرباني ، والتشريع السماوي ، الذى يسيرون عليه فى حياتهم ، سواء ما كان منها فى العبادات أو المعاملات ، ولذا فإن جماع السورة يتناول الجانب التشريعي ، وهو باختصار كما يلي :
” أحكام الصوم ” مفصله بعض التفصيل ، أحكام الحج والعمرة ، أحكام الجهاد في سبيل الله ، شؤون الأسرة ، وما يتعلق بها ، من (الزواج ، والطلاق ، والرضاعه ، والعدة) ، تحريم نكاح المشركات ، والتحذير من معاشرة النساء فى حالة الحيض ، إلى غير ما هنالك من أحكام تتعلق بالأسرة ، لأنها النواة الأولى للمجتمع الأكبر ، وفى صلاح الأسرة صلاح المجتمع !!.
– ثم تحدثت السورة الكريمة عن ” جريمة الربا ” التى تهدد كيان المجتمع وتقوض بنيانه ، وحملت حملة عنيفة شديدة على المرابين ، بإعلان الحرب السافرة من الله ورسوله ، على كل من يتعامل بالربا أو يقدم عليه [ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين – فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ] .
– وأعقبت آيات الربا بالتحذير من ذلك اليوم الرهيب ، الذى يجازى فيه الإنسان على عمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر [ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ] وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم ، وآخر وحي تنزل من السماء إلى الأرض ، وبنزول هذه الآية انقطع الوحي ، وانتقل الرسول الأعظم (ص) إلى جوار ربه ، بعد أن أدى الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الأمة ، وجاهد فى الله حق جهاده ، حتى أتاه اليقين!.

– وختمت السورة الكريمة بتوجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة ، والتضرع إلى الله جل وعلا برفع الأغلال والآصار ، وطلب النصرة على الكفار ، والدعاء لما فيه سعادة الدارين [ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا ، واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ] وهكذا بدأت السورة بأوصاف المؤمنين ، وختمت بدعاء المؤمنين ليتناسق البدء مع الختام ، ويلتئم شمل السورة أفضل التئام!!.

التسمية: سميت ” سورة البقرة ” بهذا الاسم إحياء لذكرى تلك المعجزة الباهرة ، التي ظهرت فى زمن موسى الكليم ، حيث قتل شخص من بني إسرائيل ولم يعرفوا قاتله ، فعرضوا الأمر على موسى لعله يعرف القاتل ، فأوحى الله تعالى إليه أن يأمرهم بذبح بقرة ، وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله ويخبرهم عن القاتل ، وتكون برهانا على قدرة الله جل وعلا فى إحياء الخلق بعد الموت ، وستأتي القصة مفصلة فى موضعها إن شاء الله.
فضلها : عن رسول الله (ص) أنه قال : (لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). وقال (ص) : (اقرأوا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا يستطيعها البطلة) يعنى السحرة.

قال الله تعالى : [ ألم – ذلك الكتاب لا ريب فيه.. إلى .. وأولئك هم المفلحون ] . من آية (1) إلى نهاية آية (5).

اللغة : [ ريب ] الريب : الشك وعدم الطمأنينة يقال : ارتاب ، وأمر مريب إذا كان فيه شك وريبة ، قال الزمخشري : الريب مصدر رابه إذا أحدث له الريبة وهى قلق النفس واضطرابها ، ومنه ريب الزمان لنوائبه
[ المتقين ] أصل التقوى مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزاً بينك وبينه ، قال النابغة : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد، فالمتقى هو الذي يقي نفسه مما يضرها ، وهو الذى يتقى عذاب الله بطاعته ، وجماع التقوى أن يمتثل العبد الأوامر ، ويجتنب النواهي،[ الغيب ] ما غاب عن الحواس ، وكل شئ مستور فهو غيب ، كالجنة ، والنار ، والحشر والنشر قال الراغب : الغيب ما لا يقع تحت الحواس
[ المفلحون ] الفلاح : الفوز والنجاح قال أبو عبيدة : كل من أصاب شيئا من الخير فهو مفلح وقال البيضاوي : المفلح : الفائز بالمطلوب كأنه الذى انفتحت له وجوه الظفر ، وأصل الفلح فى اللغة : الشق والقطع ، ومنه قولهم فى الأمثال ” إن الحديد بالحديد يفلح ” أي يشق ، ولذلك سمى الفلاح فلاحاً ، لأنه يشق الأرض بالحراثة [ كفروا ] الكفر لغة : ستر النعمة ولهذا يسمى الكافر كافراً لأنه يجحد النعمة ويسترها ، ومنه قيل للزارع ولليل كافر ، قال تعالى [ أعجب الكفار نباته ] أي أعجب الزراع ، وسمى الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده [ أنذرتهم ] الإنذار : الإعلام مع التخويف ، فإن خلا من التخويف فهو إعلام وإخبار ، لا إنذار [ ختم ] الختم : التغطية على الشئ والطبع عليه حتى لا يدخل شيء ، ومنه ختم الكتاب.[ غشاوة ] الغشاوة : الغطاء من غشاه إذا غطاه ، ومنه الغاشية وهى القيامة ، لأنها تغشى الناس بأهوالها وشدائدها!!.

التفسير : ابتدأت السورة الكريمة بذكر أوصاف المتقين ، وابتداء السورة بالحروف المقطعة [ ألم ] وتصديرها بهذه الحروف الهجائية ، يجذب أنظار المعرضين عن هذا القرآن ، إذ يطرق أسماعهم لأول وهلة ، ألفاظ غير مألوفة فى تخاطبهم ، فينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من آيات بينات ، وفى هذه الحروف وأمثالها تنبيه على ” إعجاز القرآن ” فإن هذا الكتاب منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ، فإذا عجزوا عن الاتيان بمثله ، فذلك أعظم برهان على (إعجاز القرآن)!! يقول العلامة ابن كثير رحمه الله : إنما ذكرت هذه الحروف فى أوائل السور بيانا لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التى يتخاطبون بها ، وهو قول جمع من المحققين ، وقد قرره الزمخشري فى تفسيره الكشاف ، ونصره أتم نصر ، وإليه ذهب الإمام ” ابن تيمية ” ثم قال : ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف ، فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن ، وبيان إعجازه وعظمته ، مثل [ الم ، ذلك الكتاب ] [ المص ، كتاب أنزل إليك ] ، [ الم ، تلك آيات الكتاب الحكيم ] ، [ حم ، والكتاب المبين ، إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ] وغير ذلك من الآيات الدالة على إعجاز القرآن. ثم قال تعالى : [ ذلك الكتاب لا ريب فيه ] أي هذا القرآن المنزل عليك يا محمد ، هو الكتاب الذي لا يدانيه كتاب [ لا ريب فيه ] أي لا شك في أنه من عند الله ، لمن تفكر وتدبر ، أو ألقى السمع وهو شهيد [ هدى للمتقين ] أي هاد للمؤمنين المتقين ، الذين يتقون سخط الله ، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ويدفعون عذابه بطاعته ، قال ابن عباس : المتقون هم الذين يتقون الشرك ، ويعملون بطاعة الله ، وقال الحسن البصري : اتقوا ما حرم عليهم ، وأدوا ما افترض عليهم.. ثم بين تعالى صفات هؤلاء المتقين فقال : [ الذين يؤمنون بالغيب ] أي يصدقون بما غاب عنهم ولم تدركه حواسهم ، من البعث ، والجنة ، والنار ، والصراط ، والحساب ، وغير ذلك من كل ما أخبر عنه القرآن أو النبى عليه الصلاة والسلام [ ويقيمون الصلاة ] أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها ، وخشوعها وآدابها قال ابن عباس : إقامتها : إتمام الركوع والسجود ، والتلاوة والخشوع [ ومما رزقناهم ينفقون ] أي ومن الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون ، في وجوه البر والإحسان ، والآية عامة تشمل الزكاة ، والصدقة ، وسائر النفقات ، وهذا اختيار ابن جرير ، وروي عن ابن عباس أن المراد بها زكاة الأموال ، قال ابن كثير : كثيرا ما يقرن تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ، لأن الصلاة حق الله ، وهى مشتملة على توحيده وتمجيده والثناء عليه ، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين وهو حق العبد ، فكل من النفقات الواجبة ، والزكاة المفروضة داخل الآية الكريمة [ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ] أى يصدقون بكل ما جئت به عن الله تعالى [ وما أنزل من قبلك ] أى وبما جاءت به الرسل من قبلك ، لا يفرقون بين كتب الله ، ولا بين رسله  [ وبالآخرة هم يوقنون ] أي ويعتقدون اعتقاداً جازماً لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التى تتلو الدنيا ، بما فيها من بعث ، وجزاء وجنة ، ونار ، وحساب ، وميزان ، وإنما سميت الدار الآخرة لأنها بعد الدنيا [ أولئك على هدى من ربهم ] أى أولئك المتصفون بما تقدم من الصفات الجليلة ، على نور وبيان وبصيرة من الله [ وأولئك هم المفلحون ] أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية الرفيعة فى جنات النعيم.

قال الله تعالى : [ إن الذين كفروا سواء عليهم.. إلى .. ولهم عذاب عظيم ] من آية (6) إلى نهاية آية (7).
المناسبة :
لما ذكر تعالى صفات المؤمنين فى الآيات السابقة ، أعقبها بذكر صفات الكافرين ، ليظهر الفارق الواضح بين الصنفين ، على طريقة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأبرار والفجار ، والتمييز بين أهل السعادة وأهل الشقاوة ، فبالمقارنة تظهر الحقائق ، كما قيل : ” وبضدها تتميز الأشياء ” .
التفسير :
[ إن الذين كفروا ] أي إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد (ص) [ سواء عليهم ] أي يتساوى عندهم [ أأنذرتهم أم لم تنذرهم ] أي سواء أحذرتهم يا محمد من عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم
[ لا يؤمنون ] أي لا يصدقون بما جئتهم به ، فلا تطمع فى إيمانهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ، وفى هذا تسلية للنبى (ص) حول تكذيب قومه له. ثم بين تعالى العلة فى سبب عدم الإيمان فقال [ ختم الله على قلوبهم ] أي طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور ، ولا يشرق فيها إيمان. قال المفسرون : الختم : التغطية والطبع ، وذلك أن القلوب إذا كثرت عليها الذنوب ، طمست نور البصيرة فيها ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها مخلص كما قال تعالى : (بل طبع الله عليها بكفرهم). [ وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ] أي وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم غطاء ، فلا يبصرون هدى ، ولا يسمعون ، ولا يفقهون ، ولا يعقلون!! لأن أسماعهم وأبصارهم كأنها مغطاة بحجب كثيفة ، لذلك يرون الحق فلا يتبعونه ، ويسمعونه فلا يعونه. قال أبو حيان : شبه تعالى قلوبهم لتأبيها عن الحق ، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح ، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية ، بالوعاء المختوم عليه ، المسدود منافذه ، المغطى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه ، وذلك لأنها كانت – مع صحتها وقوة إدراكها – ممنوعة عن قبول الخير وسماعه ، وتلمح نوره ، وهذا بطريق الاستعارة [ ولهم عذاب عظيم ] أي ولهم فى الآخرة عذاب شديد لا ينقطع ، بسبب كفرهم وإجرامهم ، وتكذيبهم بآيات الله.

قال الله تعالى : [ ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر.. إلى .. إن الله على كل شئ قدير ] من آية (8) إلى نهاية آية (16).
المناسبةلما ذكر تعالى فى أول السورة صفات المؤمنين ، وأعقبها بذكر صفات الكافرين ، ذكر هنا ” المنافقين ” وهم الصنف الثالث ، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، وأطنب بذكرهم فى ثلاث عشرة آية ، لينبه إلى عظيم خطرهم ، وكبير ضررهم ، ثم عقب ذلك بضرب مثلين ، زيادة فى الكشف والبيان ، وتوضيحا لما تنطوى عليه نفوسهم من ظلمة الضلال والنفاق ، وما يئول إليه حالهم من الهلاك والدمار.
اللغة :

[ يخادعون ] الخداع : المكر ، والاحتيال ، وإظهار خلاف الباطن ، وأصله الإخفاء ومنه سمى الدهر خادعاً لما يخفي من غوائله ، وسمى المخدع مخدعا لتستر أصحاب المنزل فيه [ مرض ] المرض : السقم وهو ضد الصحة وقد يكون حسيا كمرض الجسم ، أو معنوياً كمرض النفاق ، ومرض الحسد والرياء ، قال ابن فارس : المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة ، أو نفاق ، أو تقصير فى أمر [ تفسدوا ] الفساد : العدول عن الاستقامة وهو ضد الصلاح [ السفهاء ] جمع سفيه وهو الجاهل ، الضعيف الرأى ، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ، وأصل السفه : الخفة ، والسفيه : الخفيف العقل. قال علماء اللغة : السفه : خفة وسخافة رأي ، يقتضيان نقصان العقل والحلم يقابله. [ طغيانهم ] الطغيان : مجاوزة الحد فى كل شيء ، ومنه قوله تعالى : [ إنا لما طغى الماء ] أي ارتفع وعلا وجاوز حده ، والطاغية : الجبار العنيد [ يعمهون ] العمه : التحير والتردد فى الشيء ، يقال : عمه يعمه فهو عمه. قال رؤبة : ” أعمى الهدى بالحائرين العمه ” . قال الفخر الرازي : العمه مثل العمى ، إلا أن العمى عام فى البصر والرأي ، والعمه فى الرأي خاصة ، وهو التردد والتحير ، بحيث لا يدري أين يتوجه [ اشتروا ] حقيقة الاشتراء : الاستبدال ، وأصله بذل الثمن لتحصيل الشئ المطلوب ، والعرب تقول لمن استبدل شيئا بشئ اشتراه ، قال الشاعر :
فإن تزعمينى كنت أجهل فيكم فإنى اشتريت الحلم بعدك بالجهل

سبب النزول : قال ابن عباس : نزلت هذه الآيات فى المنافقين من أمثال ” عبد الله بن أبي ابن سلول ، ومعتب بن قشير ، والجد بن قيس ” كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون : إنا لنجد فى كتابنا نعته وصفته.
التفسير :
[ ومن الناس من يقول آمنا بالله ] أي ومن الناس فريق يقولون بألسنتهم : صدقنا بالله ، وبما أنزل على رسوله من الآيات البينات [ وباليوم الآخر ] أي وصدقنا بالبعث والنشور [ وما هم بمؤمنين ] أي وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين لأنهم يقولون ذلك قولاً دون اعتقاد ، وكلاماً دون تصديق. قال البيضاوي : هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين ، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله ، لأنهم موهوا الكفر ، وخلطوا به خداعا واستهزاءً ، ولذلك أطال القرآن فى بيان خبثهم وجهلهم ، واستهزأ بهم وتهكم بأفعالهم ، وسجل عليهم الطغيان والضلال ، وضرب لهم الأمثال [ يخادعون الله والذين آمنوا ] أي يعملون عمل المخادع ، بإظهار ما أظهروه من الإيمان مع إصرارهم على الكفر ، يعتقدون – بجهلهم – أنهم يخدعون الله بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين ، وما علموا أن الله لا يُخدع ، لأنه لا تخفى عليه خافية ، قال ابن كثير : النفاق هو إظهار الخير ، وإسرار الشر وهو أنواع : (اعتقادي) وهو الذي يخلد صاحبه فى النار ، و(عملى) وهو من أكبر الذنوب والأوزار ، لأن المنافق يخالف قوله فعله ، وسره علانيته ، وإنما نزلت صفات المنافقين في (السور المدنية) ، لأن مكة لم يكن بها نفاق بل كان خلافه  [ وما يخدعون إلا أنفسهم ] أي وما يخدعون في الحقيقة إلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم [ وما يشعرون ] أي ولا يحسون بذلك ولا يفطنون إليه ، لتمادى غفلتهم ، وتكامل حماقتهم [ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ] أي فى قلوبهم شك ونفاق ، فزادهم الله رجساً فوق رجسهم ، وضلالا فوق ضلالهم ، والجملة دعائية ، قال ابن أسلم : هذا مرض فى الدين ، وليس مرضا فى الجسد ، وهو الشك الذى دخلهم فى الإسلام ، فزادهم الله رجسا وشكا [ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ] أي ولهم عذاب مؤلم بسبب كذبهم في دعوى الإيمان ، واستهزائهم بآيات الرحمن، ثم شرع تعالى في بيان قبائحهم ، وأحوالهم الشنيعة فقال : [ وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض ] أي وإذا قال لهم بعض المؤمنين : لا تسعوا في الأرض بالإفساد بإثارة الفتن ، والكفر والصد عن سبيل الله ، قال ابن مسعود : الفساد فى الأرض الكفر ، والعمل بالمعصية ، فمن عصى الله فقد أفسد فى الأرض [ قالوا إنما نحن مصلحون ] أي ليس شأننا الإفساد أبداً، وإنما نحن أناس مصلحون ، نسعى للخير والصلاح ، فلا يصح مخاطبتنا بذلك ، قال البيضاوي : تصوروا الفساد بصورة الصلاح ، لما فى قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال الله فيهم (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) ولذلك رد الله عليهم أبلغ رد ، بتصدير الجملة بحرفي التأكيد [ ألا ] المنبهة ، و[ إن ] المقررة ، وتعريف الخبر ، وتوسيط الفصل ، والاستدراك بعدم الشعور فقال : [ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ] أي ألا فانتبهوا أيها الناس ، إنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم ، ولكن لا يفطنون ولا يحسون ، لانطماس نور الإيمان فى قلوبهم، [ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ] أي وإذا قيل للمنافقين : آمنوا إيمانا صادقا ، لا يشوبه نفاق ولا رياء ، كما آمن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، وأخلصوا فى إيمانكم وطاعتكم لله [ قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ] ؟ الهمزة للإنكار مع السخرية والاستهزاء ، أي قالوا : أنؤمن كإيمان هؤلاء الجهلة ، أمثال ” صهيب ، وعمار ، وبلال ” ناقصي العقل والتفكير ؟! قال البيضاوي : وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم ، أو لتحقير شأنهم ، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ، ومنهم موالى كصهيب ، وبلال [ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ] أي ألا إنهم هم السفهاء ، حقاً ، لأن من ركب متن الباطل ، كان سفيهاً بلا امتراء ، ولكن لا يعلمون بحالهم فى الضلالة والجهل ، وذلك أبلغ فى العمى ، والبعد عن الهدى.. أكد ونبه وحصر السفاهة فيهم ، ثم قال تعالى منبهاً إلى مصانعتهم ونفاقهم [ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ] أي وإذا رأوا المؤمنين وصادفوهم ، أظهروا لهم الإيمان والموالاة نفاقاً ومصانعة [ وإذا خلوا إلى شياطينهم ] أي وإذا انفردوا ورجعوا إلى رؤسائهم وكبرائهم ، أهل الضلال والنفاق [ قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون ] أي قالوا لهم نحن على دينكم ، وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد ، وإنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإظهار الإيمان ، قال تعالى رداً عليهم : [ الله يستهزئ بهم ] أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإمهال ثم بالنكال.. قال ابن عباس : يسخر بهم للنقمة منهم ويملي لهم كقوله : [ وأملي لهم إن كيدي متين ] قال ابن كثير : هذا إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء ، ومعاقبهم عقوبة الخداع ، فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه ، فاللفظ متفق والمعنى مختلف ، وإليه وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل [ وجزاء سيئة سيئة مثلها ] ومثل [ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ] فالأول ظلم ، والثاني عدل [ ويمدهم فى طغيانهم يعمهون ] أي ويزيدهم – بطريق الإمهال والترك – فى ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويترددون حيارى ، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ، لأن الله طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم ، فلا يبصرون رشداً ، ولا يهتدون سبيلا [ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ] أي استبدلوا الكفر بالإيمان ، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى [ فما ربحت تجارتهم ] أي ما ربحت صفقتهم فى هذه المعاوضة والبيع [ وما كانوا مهتدين ] أي وما كانوا راشدين فى صنيعهم ذلك ، لأنهم خسروا سعادة الدارين..

الفوائد :
الأولى : الغاية من ضرب المثل : تقريب البعيد ، وتوضيح الغامض حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس ، وللأمثال تأثير عجيب فى النفس ، كما قال تعالى [ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ]

الثانية : وصف تعالى المنافقين فى هذه الآيات بعشرة أوصاف ، كلها شنيعة وقبيحة ، تدل على رسوخهم فى الضلال وهى (الكذب ، الخداع ، المكر ، السفه ، الاستهزاء ، الإفساد فى الأرض ، الجهل ، الضلال ، التذبذب ، السخرية بالمؤمنين) أعاذنا الله من صفات المنافقين.
الثالثة : حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين ، مع أنهم كفار وعلمه (ص) بأعيان بعضهم ، ما أخرجه البخاري أن النبي (ص) قال لعمر : ” أكره أن يحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه ” .

الثمن 2 من الحزب 1:

لثمن 3 من الحزب 1:

الثمن 4 من الحزب 1:

الثمن 5 من الحزب 1:

الثمن 6 من الحزب 1:

الثمن 7 من الحزب 1:

الثمن 8 من الحزب 1:

الثمن 1 من الحزب 2:

الثمن 2 من الحزب 2:

الثمن 3 من الحزب 2:

الثمن 4 من الحزب 2:

الثمن 5 من الحزب 2:

الثمن 6 من الحزب 2:

الثمن 7 من الحزب 2:

الثمن 8 من الحزب 2:

الثمن 1 من الحزب 3:

الثمن 2 من الحزب 3:

الثمن 3 من الحزب 3:

الثمن 4 من الحزب 3:

الثمن 5 من الحزب 1:

الثمن 6 من الحزب 3:

الثمن 7 من الحزب 3:

الثمن 8 من الحزب 3: