الأسرة .. الخلية الأولى

اهتم ديننا الحنيف بالأسرة اهتماما كبيرا، ودعا إلى تقويتها، ودوام ترابطها؛ لتكون أسرة متماسكة سعيدة،  ينعم أفرادها من أب وأم وأولاد ومن يعيش معهم من الأقارب والأرحام بالمحبة والوئام، قال الله تعالى:( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). فبالمودة والرحمة بنى النبي صلى الله عليه وسلم الأسرة المستقرة الهانئة، ولنا جميعا في نبينا صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، يقول سبحانه:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الأسرة هي أولى الناس بالخير فقال:« خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فكان صلى الله عليه وسلم جميل العشرة، دائم البشر، يتلطف بأهله، وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قبل أن ينام. وهذا دليل على تودده لأهله، ومؤانسته لهم. فما أحوجنا إلى الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فيجتمع الأب والأم والإخوة والأخوات، في أجواء عائلية وجلسات ودية تحفها المشاعر الأسرية، يتبادلون الأحاديث، ويؤنس بعضهم بعضا، فليس البيت للمبيت فقط.

عباد الله: إن التشاور في نطاق الأسرة بين الأب والأم والأولاد ذكورا وإناثا مبدأ راسخ أصيل، وأثره نافع جليل، فهو يشيع في البيت التفاهم والتحابب، ويعزز التواصل والتقارب، أرشدنا الله تعالى إليه، ودلنا عليه، فقال سبحانه في محكم التنزيل عن التشاور في فطام الطفل:( فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما). أي: إن اتفق الأب والأم على فطام الطفل، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما، ولا يجوز لأحدهما أن يستبد برأيه من غير مشاورة الآخر. فإن كان هذا في مسألة الرضاعة؛ فإنه من الأولى التشاور في قضايا تربية الأولاد؛ وتوجيه سلوكهم، وتهذيب أخلاقهم، وتوعيتهم، وتربيتهم على قيم الانتماء للوطن والولاء للحاكم، وترسيخ العادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة في نفوسهم، وحثهم على المحافظة على الفرائض والواجبات، وتنبيههم إلى ترشيد استخدام التقنيات الحديثة، بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير، ويحصنهم من المؤثرات السلبية، وتحذيرهم من رفقاء السوء، والأفكار المتطرفة، والتوجهات المنحرفة، ويتشاورون في كل ما يهم الأسرة، من التخطيط لمستقبل الأولاد، ومتابعة شؤونهم، للوصول في ذلك إلى رأي سديد.

أيها المصلون: ولقد حث الإسلام الزوجين على التآلف والحوار، لما لهما من أثر عظيم في تجنب التباغض والتخاصم، والتشاجر والتشاحن، صيانة للأسرة من التفكك والتمزق؛ فقال سبحانه للأزواج:( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:« لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر». أي لا ينبغي للزوج أن يبغض زوجته؛ لأنه إن وجد فيها خلقا يكرهه وجد فيها خلقا آخر يرضاه، وإن انتفت المودة- أي المحبة- فعليه أن يتقي الله فيها، ويعاملها بالرحمة والإحسان، فقد جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال له: إن لي بنتا أحبها وقد خطبها غير واحد، فمن تشير علي أن أزوجها؟ قال: زوجها رجلا يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها. كما حث الإسلام الزوجة على الإسراع إلى الصلح واحتواء الخلاف الأسري بينها وبين زوجها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :« ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة: الودود، الولود، العؤود على زوجها، التي إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها، ثم تقول: والله لا أذوق غمضا– أي: لا أذوق نوما- حتى ترضى».

فهذا الحوار الودود يصنع البيئة التربوية المناسبة لاحتضان الأولاد، ورعايتهم بالمودة والرحمة، وحمايتهم من مختلف الأخطار، وإرشادهم إلى طرق الخير، وتعليمهم الحلال والحرام، وآداب الحوار والكلام، وحثهم على الصلاة، فقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل عليه السلام لاعتنائه بأسرته فقال عنه:( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا). وقال عز وجل للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم 🙁 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها).

ومن حسن تربية الأبناء الجلوس معهم، والاستماع إليهم، وعدم الانشغال عنهم، ومتابعة دراستهم في المدارس، والسؤال عنهم، ومعرفة أصدقائهم، وتنمية مهاراتهم، ودعم مواهبهم، وتشجيعهم على كل نافع مفيد.

مقالات ذات صله